المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [ مقاطع من موعظة لأمير المؤمنبن عليه السلام لِعامِلهِ علی البصرة ]


محمد علي 92
27-12-2024, 09:34 PM
[ مقاطع من موعظة لأمير المؤمنبن عليه السلام لِعامِلهِ علی البصرة ]

ومن كتاب له عليه السلام إلى "ۢعثمان بن حنيف الأنصاري " ، وهو عامِلُه على البصرة ، وقد بلغه أنه دُعِيَ إلى وليمةِ قومٍ من أهلها ، فمضى إليهم :

[ أَمَّا بَـعْـدُ يَـا ابْـنَ حُـنَـيْـفٍ ! فَـقَـدْ بَـلَـغَـنِي أَنَّ رَجُـلاً مِنْ فِـتْـيَـةِ أَهْـلِ الْـبَصْرَةِ دَعَـاكَ إِلَى مَـأْدُبَـةٍ ، فَـأَسْرَعْـتَ إِلَـيْـهَا ، تُسْتَـطَابُ لَـكَ الْأَلْـوَانُ ، وَتُـنْـقَـلُ إِلَـيْكَ الْجِفَـانُ (1) ، وَمَـا ظَـنَـنْـتُ أَنَّـكَ تُجِيبُ إِلَى طَـعَامِ قَـوْمٍ ، عَـائِـلُـهُـمْ مَجْفُـوٌّ (2) ، وَغَنِـيُّـهُمْ مَدْعُو .

فَـانْـظُـرْ إِلَى مَـا تَـقْضَمُـهُ (3) مِنْ هَذَا الْـمَـقْـضَمِ(4) ، فَـمَا اشْتَـبَـهَ عَـلَـيْكَ عِـلْـمُـهُ فَـالْـفِـظْـهُ (5) ، وَمَـا أَيْقَـنْتَ بِـطِيبِ وُجُوهِـهِ فَـنَـلْ مِـنْـهُ ، أَلَا وَإِنَّ لِـكُـلِّ مَـأْمُـومٍ إِمَـامـاً يَقْـتَدِي بِـهِ ، وَيَسْتَضِي‏ءُ بِـنُـورِ عِـلْـمِـهِ ، أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُـمْ قَدِ اكْـتَفَى مِنْ دُنْـيَاهُ بِـطِـمْـرَيْـهِ (6) ، وَمِنْ طُـعْـمِـهِ بِـقُـرْصَـيْـهِ (7) ، أَلَا وَإِنَّـكُـمْ لَا تَـقْـدِرُونَ عَـلَى ذَلِـكَ ، وَلَـكِنْ أَعِـينُـونِـي بِـوَرَعٍ وَاجْـتِـهَادٍ ، وَعِـفَّـةٍ وَسَدَادٍ .

فَوَاللهِ مَا كَـنَـزْتُ مِنْ دُنْـيَاكُـمْ تِـبْـراً (8)، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَـنَائِـمِـهَا وَفْـراً ، وَلَا أَعْدَدْتُ لِـبَالِـي ثَـوْبِـي طِمْـراً (9) ، وَلَا حُـزْتُ مِنْ أَرْضِـهَا شِـبْـراً ، وَلَا أَخَذْتُ مِـنْـهُ إِلَّا كَـقُـوتِ أَتَـانٍ دَبِـرَةٍ (10)، وَلَـهِـيَ فِي عَـيْنِـي أَوْهَى وَأَوْهَـنُ مِنْ عَـفْـصَةٍ مَـقِـرَة(11).


وَلَـوْ شِئْـتُ لَاهْـتَدَيْتُ الـطَّـرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْـعَسَلِ ، وَلُـبَابِ هَذَا الْـقَـمْحِ ، وَنَسَائِجِ هَذَا الْـقَـزِّ ، وَلَـكِـنْ هَـيْـهَاتَ أَنْ يَـغْـلِـبَـنِـي هَـوَايَ ، وَيَـقُـودَنِي جَـشَعِي إِلَى تَـخَـيُّـرِ الْأَطْعِـمَـةِ ، وَلَـعَـلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْـيَـمَامَـةِ مَنْ لَا طَمَـعَ لَـهُ فِي الْـقُرْصِ ، وَلَا عَـهْـدَ لَـهُ بِـالشِّـبَعِ ، أَو أَبِـيتَ مِـبْـطَـانـاً وَحَـوْلِي بُـطُونٌ غَـرْثَى (12) وَأَكْـبَادٌ حَـرَّى (13) ، أَوْ أَكُـونَ كَـمَا قَـالَ الْـقَائِـلُ :

وَحَسْبُـكَ دَاءً أَنْ تَـبِيتَ بِـبِطْـنَـةٍ
وَحَوْلَـكَ أَكْـبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْـقِـدِّ (14)

أَأَقْـنَـعُ مِنْ نَـفْسِي بِـأَنْ يُـقَـالَ : هَذَا أَمِـيرُ الْـمُؤْمِـنِـينَ ، وَلَا أُشَارِكُـهُـمْ فِي مَـكَـارِهِ الـدَّهْـرِ ، أَو أَكُـونَ أُسْوَةً لَـهُـمْ فِي جُشُوبَـةِ الْـعَـيْـشِ(15)!

فَـمَا خُلِـقْتُ لِـيَشْغَـلَـنِي أَكْـلُ الـطَّـيِّـبَاتِ ، كَـالْـبَـهِـيمَـةِ الْـمَرْبُـوطَـةِ هَـمُّـهَا عَـلَـفُـهَا ، أَوِ الْـمُرْسَلَـةِ شُغُـلُـهَا تَـقَـمُّـمُـهَا (16)، تَـكْـتَرِشُ مِنْ أَعْـلَافِـهَا ، وَتَـلْـهُـو عَـمَّا يُرَادُ بِـهَا (......)

وكَـأَنِّي بِـقَـائِـلِكُـمْ يَـقُـولُ : إِذَا كَـانَ هَذَا قُوتُ ابْـنِ أَبِـي طَالِـبٍ ، فَـقَـدْ قَـعَـدَ بِـهِ الضَّعْـفُ عَـنْ قِـتَـالِ الْأَقْـرَانِ (17) وَمُـنَـازَلَـةِ الشُّجْعَـانِ .

أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْـبَرِّيَّـةَ أَصْلَـبُ عُـوداً ، وَالـرَّوَاتِـعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُـلُـوداً ، وَالـنَّابِـتَاتِ الْـعِذْيَـةَ أَقْـوَى وَقُـوداً ، وَأَبْـطَـأُ خُـمُـوداً ،

وَأَنَـا مِنْ رَسُولِ اللهِ كَـالضَّوْءِ مِـنَ الـضَّوْءِ ، وَالـذِّرَاعِ مِـنَ الْـعَـضُدِ ، وَاللهِ لَـوْ تَـظَاهَـرَتِ الْـعَـرَبُ عَـلَى قِـتَالِـي لَـمَا وَلَّـيْتُ عَـنْـهَا ، وَلَـوْ أَمْكَـنَتِ الْـفُـرَصُ مِنْ رِقَـابِـهَا لَسَارَعْـتُ إِلَـيْهَا (.....)

إِلَـيْكِ عَـنِّي يَـا دُنْـيَا ! فَحَـبْـلُـكِ عَـلَى غَـارِبِـكِ (18) ، قَدِ انْسَلَـلْتُ مِـنْ مَخَالِـبِـكِ ، وَأَفْـلَـتُّ مِـنْ حَبَائِـلِـكِ ، وَاجْتَـنَـبْـتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِـضِكِ (19).

أَيْـنَ الْـقُرُونُ الَّذِينَ غَـرَرْتِـهِمْ بِـمَدَاعِـبِكِ ! أَيْنَ الْأُمَـمُ الَّـذِينَ فَـتَـنْـتِـهِـمْ بِـزَخَارِفِـكِ ! فَـهَا هُـمْ رَهَـائِـنُ الْـقُـبُورِ وَمَضَامِـينُ اللُّحُودِ.

(.....) هَـيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِـقَ ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَـرِقَ ، وَمَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَـبَائِـلِـكِ وُفِّـقَ ، وَالسَّالِـمُ مِـنْـكِ لَا يُـبَالِـي إِنْ ضَاقَ بِـهِ مُـنَاخُهُ ، وَالدُّنْيَا عِنْـدَهُ كَـيَوْمٍ حَـانَ انْسِلَاخُـهُ.

اعْـزُبِي عَـنِّي ! فَوَاللهِ لَا أَذِلُّ لَـكِ فَـتَسْتَذِلِّـيـنِي ، وَلَا أَسْلَـسُ (20) لَـكِ فَـتَـقُـودِينِي. وَايْمُ اللهِ - يَـمِـيناً أَسْتَـثْـنِي فِـيهَا بِـمَشِيئَةِ اللهِ عزّ وجلّ - لَأَرُوضَنَّ نَـفْسِي رِيَاضَةً تَـهِـشُّ (21) مَـعَـهَا إِلَى الْـقُـرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَـلَـيْهِ مَـطْـعُوماً ، وَتَـقْـنَعُ بِالْـمِـلْحِ مَـأْدُوماً (22) ، وَلَأَدَعَـنَّ مُـقْـلَـتِي كَـعَـيْنِ مَاءٍ ، نَـضَبَ مَـعِينُـهَا ، مُسْتَـفْـرِغَـةً دُمُوعَـهَا.(.....)

طُوبَى لِـنَـفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّـهَا فَـرْضَهَا ، وَعَـرَكَـتْ (23) بِجَـنْـبِـهَا بُـؤْسَـهَا ، وَهَجَـرَتْ فِي اللَّـيْلِ غُـمْـضَـهَا (24) ، حَـتَّى إِذَا غَـلَـبَ الْـكَـرَى (25) عَـلَـيْهَا افْـتَرَشَتْ أَرْضَهَا ، وَتَـوَسَّدَتْ كَـفَّـهَا ، فِي مَـعْشَرٍ أَسْهَـرَ عُـيُونَـهُـمْ خَوْفُ مَـعَادِهِـمْ ، وَتَجَافَـتْ عَنْ مَضَاجِـعِـهِـمْ جُـنُوبُـهُـمْ، وَهَـمْـهَـمَتْ بِـذِكْـرِ رَبِّـهِمْ شِفَاهُـهُـمْ ، وَتَـقَـشَّعَـتْ (26) بِـطُولِ اسْتِـغْـفَارِهِـمْ ذُنُـوبُـهُـمْ
۞ أُوْلَـئِكَ حِ/زْبُ الله أَلَا إِنَّ حِ/زْبَ اللهِ هُـمُ الْـمُـفْـلِحُون .۞

فَـاتَّـقِ الله يَـا ابْـنَ حُـنَـيْفٍ ! وَلْـتَكْـفُـفْ(27) أَقْـرَاصُكَ لِـيَكُونَ مِـنَ الـنَّارِ خَـلَاصُكَ ! ]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

[ شرح كلمات ]

(1) الْجِـفَانُ : مفردها الجفـنة وهي الـقَصْعَـةُ*: وهي وَعاءٌ يؤكَـلُ فـيه ويُـثرَد ، وكان يُـتَّخذُ من الخشب غـالـباً .

(2) - عَائِـلُـهُـمْ : فقيرهم .
- مَجْفُـوّ : مُبْـعَـد .
(3) تَـقْضَمُـهُ : تكسُرُه وتأكـله .

(4) الْمَقْضَمِ : قضم كسمع أكل بطرف أسنانه والمراد الأكل مطلقاً ، والمـقضم كمـقـعد المأكـل.

(5) فَـالْفِـظْهُ : إطرحْه حيث اشتَـبَه عليك حِـلّـه من حُرمَتِه .
(6) بِطِمْرَيْهِ : الـطِّـمْرُ*: الثوب الخَلَق الـبالي .

(7) طُعْـمِهِ : الـطُّعم : ما تدركه حاسة الذوْقِ من طعام أَو شراب، كالحلاوة والمرارة والحموضة وما بينها. و الـطَّعْـمُ ما يُشتَـهَى مِنَ الـطَّعام.*
- بِـقُرْصَيْهِ : الـقُرص : قـطـعة مبسوطة مستديرة .


(8) تِـبْراً : الـذَّهَبُ الـخَالِصُ/ فُـتات الذهب أَو الـفضة قـبل أَن يُصاغا .
(9) طِـمْراً : الـطِّـمْرُ*: الـثوب الخَلَـق الـبالي والجمع :*أطْـمَار .

(10) أَتَـان دَبِـرَة : جـرح في الـدابّـة .
(11) - عَـفْـصَةٍ : عَـفِصَ*الـطَّعَامُ : كـان فِـيهِ مرارة وتَـقَـبُّـض .
- مَـقِـرَة : حَـوْضُ صغيرُ يجـتمع فـيه الـماءُ. / جـرّة .


(12) بُـطُونٌ غَـرْثَى : جَـوْعَی .
(13) أَكْـبَادٌ حَـرَّى : عَـطْشَى .
(14) الْـقِدِّ : الشيءُ*الـمَقْـدُود .

(15) جُشُوبَـةِ الْـعَـيْشِ : الخشونـة .
(16) تَـقَـمُّـمُـهَا : تَـتَـبُّـعُـها ما في*الـقُـماماتِ.

(17) الْأَقْـرَانِ : مفردها الـقِرن : الـقِرْنُ للإِنسان : مِثْلُـهُ في الشَّجاعة والشِّدَّة والقِـتال ، نَـظِيرُهُ، مََـثِيلُـهُ...

(18) حَبْلُـكِ عَـلَى غَـارِبِـكِ ۢ: إذهـبي حيثُ شِـئتِ .

(19) مَدَاحِضِكِ : مفردها مدحضة : وهي الـمَزْلـقَـة أي الأرض الـتي تَـزِلُّ فيها الـقَدم .
(20) أَسْلَسُ : أسلس*الشَّيءُ*سلِس: لانَ وسهُـلَ وانـقاد .


(21) تَـهِشُّ الـنفس الی الـقُرص : يَنشرح صدرُها فَـرَحاً وسروراً بِـهِ .

(22) مَـأْدُومـاً : مأدوم*من الطعام المخلوط بـالإدام والإدام هو*ما يُـجعَـل مَـعَ الخبز فَـيطيـبه .


(23) عَـرَكَـتْ : عَـرَكَ الشيءَ : حَكَّـهُ حـتى مَـحَاهُ .
(24) غُـمْـضَهَا : نَـوْمَـها .

(25) الْـكَـرَى : الـنوم / الـنُّـعَاس .
(26) تَـقَشَّعَـتْ : زالَـتْ ، اِنْكَشَفَتْ .
(27) تَـكْـفُـف : تَـكْـفّـفْ عَـنِ الأمر :*إنصرِفْ عَـنـهُ واتْـرُكْـهُ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

[ لا تَـنْسوني وَوالِدَيَّ مِنْ خالِصِ دُعائِكُم ]

وآخِــرُ دَعــوَانَــا

۞ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلهِ رَبِّ ٱلۡعَالَمِین . ۞

وهج الإيمان
31-12-2024, 03:55 AM
أحسنتم على الموضوع القيم

صدى المهدي
31-12-2024, 09:30 AM
احسنتم ويبارك الله بكم
شكرا لكم كثيرا
مأجورين