عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية فارس اللواء
فارس اللواء
عضو برونزي
رقم العضوية : 54354
الإنتساب : Aug 2010
المشاركات : 254
بمعدل : 0.05 يوميا

فارس اللواء غير متصل

 عرض البوم صور فارس اللواء

  مشاركة رقم : 4  
كاتب الموضوع : فارس اللواء المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 04-03-2012 الساعة : 01:49 AM


وأهم هذه المسلمات هي: الاستقلال، والإبداع، والتعقيل، والتفصيل، والتوسع، والتعميم.

1. الاستقلال: فالاستقلال يتطلب إزالة وصاية الأقوى الخارجي؛ لأنَّها وصاية مستعمر. فالوصاية الفكرية المهيمنة للاستعمار خاصة والغرب عامة على المسلمين، هي التي يجب التخلص منها، لا وصاية الفقهاء أو رجال الدين كما يعتقد بعض المقلّدين، لأنَّ هؤلاء الفقهاء لم يكونوا يوماً مصادرين أو محتكرين للسلطة السياسية. والوصاية الداخلية التي يُخشى منها ليست وصاية رجال الدين، وإنَّما وصاية رجال الاستعمار، فالاستقلال لا يُطلب منه أن يكون استقلالاً عن الوصاية الدينية، وإنما استقلالاً عن الوصاية الأجنبية.

2. الإبداع: والإبداع لا يقتضي الانقطاع المطلق، لأنَّ الحداثة الحقة هي حداثة قيم لا حداثة زمن. فقد شاع بين المسلمين تقليد سلبي عاد عليهم بالضرر، وحال بينهم وبين الإبداع، وجعلهم يتلقون ما أبدعه الغرب تلقِّي العاجز المنبهر، مع أنّ ما أبدعه الغرب نفسه بحاجة إلى ما يمكن أن نسمّيّه إعادة الإبداع. فهو إبداع لا يقطع صلته بإبداع السّابقين، وإنّما يحافظ على ما لم يستنفد مكامن الإبداع فيه، كما أنّ الإبداع لا يقتضي الاختراع المطلق للحاجات؛ لأنّ الحاجات الحقيقيّة هي الحاجات الرّوحية، ولا هو أخيراً يقتضي ازدهار الذّات المطلق، لأنّ الازدهار الحقيقي هو ما تعدى نفعه إلى الغير. وهذا هو منطق الإبداع الإسلامي؛ إذ لا يقتصر همُّه على اختراع الحاجات المادية وازدهار الذات، بل يسعى إلى إشباع الحاجات الروحية والمعنوية، وتعدية النفع والازدهار للآخر أيضاً.

3. التعقيل: مارس المسلمون تعقيلاً نقدوا فيه تراثهم وتاريخهم ومؤسساتهم نقداً نقلوه عن غيرهم دون تمحيص، فوقعوا في مغالطات ومتاهات كثيرة، في حين أنَّ التعقيل -وفق المنظور الإسلامي- لا يكتفي بالاستخدام التقني من أجل مزيد التحويج إلى الآلات والملذات، بل يبتغي تحقيق قيم ترقى بالإنسان، فهو تعقيل يطلب المعارف ويصنع الآلات على مقتضى القيم المتغلغلة في الوجدان الإنساني. كما أن التعقيل الإسلامي تعقيل ينبني على ميثاق كوني شامل، يشمل العوالم كلها المرئي منها وغير المرئي، ولذلك لا يصارع الطبيعة ولا يتسلط عليها، وإنما يخاطبها ويوادها ويراحمها، وعلاقته بها علاقة الأم بولدها، فالعقل لا يمكن أن يعقل كل شيء، ولا ينقد كل شيء، و لا يسود الطبيعة؛ لأنها أمّ الإنسان وليست أمَّةً له.

4. التفصيل: استهوت فكرة التفصيل والانفصال كثيراً من الدارسين الحداثويين -كما يقول طه عبد الرحمن- من أبناء المسلمين، فراحوا يبحثون ويحثون على الانفصال والانقطاع عن تاريخهم وتراثهم، وتحمسوا إلى فكرة فصل الحداثة عن التراث، وفصل السياسة عن الدين، مع أن إبداعات المسلمين في الفكر والعلم هي التي أسهمت في بث روح الحداثة في أهل الغرب، كما أن دائرة الدين لا تنحصر في اللامعقول بل تتسع لمعقولات ومدركات كثيرة، ويمكن أن تؤسس لفكر عقلاني جديد يسد ثغرة عقلانية الحداثة الغربية.

كما أن علاقة الإنسان بالعالم وفق الرؤية الإسلامية لا تقوم على إزالة طلاسمه لتسخيره، وإنما على كشف أسراره لتعميره، يعامل الظواهر على أنها طريق إلى بواطن العالم وآياته، وهذا ما يضفي على العالم معناه، ويكسب الثقة بمآله، ويهِّون الموت في أحضانه.

ومن هنا لا يمكن الحديث عن فصل مطلق بين الحداثة والدين؛ لأن أهل الحداثة توسلوا بمفاهيم دينية، فضلاً عن أن رجال الدين أسهموا في بناء الحداثة.كما أنه لا إطلاق في الفصل بين العقل والدين، لأن العقلانية مراتب، ينـزل الدين إحداها. وأخيراً لا محو للقدسية من أفق الإنسان، لأن الإنسان كائن متصل، ولأن العالم جملة من الآيات، فضلاً عن كونه جملة من الظاهرات.


5. التوسع: لم تستوعب الحداثة في المجتمعات الإسلامية كل مجالات الحياة، ولكنها مسّت بعض الجوانب العلمية والاقتصادية بطريقة سطحية، فكان أن اتخذ مسار الحداثة في المجتمعات الإسلامية اتجاهاً معاكساً لمسار الحداثة الصحيح، الذي ينطلق من تحديث الأخلاق إلى تحديث الأفكار، ثم تحديث المؤسسات فتحديث الآلات.

والتطبيق الغربي لروح الحداثة ليس واقعاً حتمياً -كما يقول طه عبد الرحمن- فهذا الواقع الحداثي لم يفرض عليه فرضاً، وإنما وضع قواعد بنائه بمحض إرادته، ولذلك فبإمكانه أن يصلح هذا الواقع ويغيَّر مساره الحالي، مقاوماً العوائق التي تعترضه، كما قاوم العوائق التي اعترضت نشأة واقعه الحداثي؛ لأن الإنسان أقوى من هذا التطبيق.

كما أنه لا يورث القوة الشاملة؛ لأن جسمانية الإنسان بقيت منقطعة عن روحانيته، فحداثة الغرب ورَّثت أهلها ضعفاً روحياً فاحشاً على قدر هذه القوة المادية الساحقة. وأخيراً، ليست ماهية الحداثة ماهية اقتصادية؛ لأن ماهية الإنسان الحقيقية هي ماهية أخلاقية، ولذلك فإن التنمية الاقتصادية ينبغي أن لا تكون هي الغاية.

6. التعميم: الأصل في روح الحداثة أنها لا توجب التفكير الفرداني، ولكنها توجب التفكير المتعدي المناسب للمجتمع العالمي. ومع ذلك، خرجت الحداثة الغربية من رتبة الإنسان إلى رتبة الفرد، خروجاً استبدل مكان صفات الكمال صفات الأثَرة والأنانية. أما المنظور الإسلامي فيوجب على المسلمين أن يفكروا على أساس أن فكرهم يتعلق بغيرهم بقدر ما يتعلق بهم؛ إذ المجتمع العالمي -الذي بدأت معالمه تتشكل- لا ينفع معه إلا التفكير المتعدي، حتى يستحق أن يكون تطبيقاً سليماً لروح الحداثة لا يقع فيما وقع فيه تطبيقها الغربي.

كما أن الحداثة العلمانية لا تحفظ حرمة الأديان؛ لأنها تنفي عنها عقلانية الآلات، وتنكر عليها عقلانية الآيات، أما التطبيق الحداثي الإسلامي فإنه يستفيد من الإمكانات العقلية التي يولِّدها التفكير المتعدي، من أجل إنشاء عقلانية موسعة بديلة لعقلانية الآلات. وشتان بين عقل يرى في الآلة ذاتها آية ذات غاية ومقصد، وعقل لا يرى فيها إلا آلة صماء.

وليست كونية قيم الحداثة الغربية كونيةً إطلاقية، وإنما كونية سياقية؛ لأن التطبيق الحداثي الغربي الذي نشهده ونحياه غير كوني، وإنما هو تطبيق محلي تولّى أصحابه إلزام الشعوب به، وفرضه على واقعها، فهو محلي رُفع عنوة إلى رتبة الكوني.


توقيع : فارس اللواء
من مواضيع : فارس اللواء 0 رسالة في التفكير
0 المُحادّة لله وظاهرة التطرف
0 لا فضائل للشام ولا لأهلها كما نسبوا للرسول
0 درس من حديث خلق التربة
0 صلاة التراويح بدعة أم سُنّة؟
رد مع اقتباس