عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية فارس اللواء
فارس اللواء
عضو برونزي
رقم العضوية : 54354
الإنتساب : Aug 2010
المشاركات : 254
بمعدل : 0.05 يوميا

فارس اللواء غير متصل

 عرض البوم صور فارس اللواء

  مشاركة رقم : 7  
كاتب الموضوع : فارس اللواء المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 04-03-2012 الساعة : 01:52 AM


رابعاً: الترجمة؛ التكافؤ وذوبان الهوية

وفي الباب الثاني (التطبيق الإسلامي لمبدأ الرشد الحداثي) ركز طه عبد الرحمن حديثه على الترجمة الحداثية والقراءة الحداثية للقرآن؛ إذ خص كل قضية منهما بفصل من فصلي الباب.

فالترجمة -كما رأى طه عبد الرحمن- هي أحد البابين اللذين يدخل منهما العربي اللسان إلى كنف الحداثة وتجديد اتصاله بالآخر، على شرط أن لا تكون ممارسة الترجمة دخولاً في التبعية للأصول المنقولة، وإنما تكون على العكس من ذلك، تحملاً لمسؤولية الاستقلال عنها بما يضمن للمترجم وللمتلقي لترجمته تحصيل أسباب الإبداع.

من هنا يظهر أن بعض مسلّمات التجربة الثانية من الترجمة العربية، التي اقترنت بالنهضة الحديثة، باطلة، فلا يصح قياس هذه التجربة على التجربة الأولى التي شهدها العصر العباسي الأول، كما لا يصح حصر الترجمة في واحدة، سواء تعدد المترجمون أو كان المترجم واحداً، كما يظهر أن التحديث بمعنى "الاقتباس الخارجي" تدخل عليه شبهات كثيرة، كالخلط بين ما ينبغي اقتباسه وما لا ينبغي، وضعف الاستدلال على مشروعية الاقتباس، وإحلال التراث المقتبس مكان التراث الأصلي، والبقاء على حال الاقتباس وتمييع الهوية. وهكذا فإن الترجمة التي تعد نموذج الاقتباس الخارجي ما انفكت تتبع طريق الاستنساخ الذي يحول دون تحديث حقيقي للفكر الإسلامي العربي.

لذا وجب أن تسلك الترجمة طريقاً آخر للوصول إلى هذا التحديث، وهو ما أسماه طه عبد الرحمن بـ"الطريق الاستكشافي"، إذ من شأنه أن يرشد المتلقي المسلم ذا اللسان العربي إلى السبل التي توصله إلى إبداع نظائر للنص الأصلي، ومن ثم يفتح له باب تحديث الفكر الإسلامي العربي من الداخل. ويقضي هذا الطريق الجديد بأن يضع المترجم للنص الواحد ترجمات ثلاث، تختلف فيها درجة التصرف فيه، متحملاً مسؤولية الاستقلال عنه؛ وهي على الترتيب: "الترجمة المنطقية" وتبرز بناه العقلية، و"الترجمة الدلالية" وتبرز بناه المعنوية، و"الترجمة التركيبية" وتبرز بناه النحوية.

ويلزم من هذا أن التصور الاستكشافي للترجمة -كما يراه طه عبد الرحمن- يقلب التصور الاستنساخي لها رأساً على عقب. فإذا كانت الترجمة الاستنساخية تجعل الرتبة الأولى لتراكيب النص الأصلي، والرتبة الثانية لمعانيه، والرتبة الثالثة لأدلته، ليكون التركيب مؤثراً في المعنى، ويكون المعنى مؤثراً في الدليل، فإن الترجمة الاستكشافية على العكس من ذلك، تقدم اعتبار الدليل على اعتبار المعنى، وتقدم اعتبار المعنى على اعتبار التركيب، فيصير الدليل مؤثراً في المعنى، والمعنى مؤثراً في التركيب. ولا يبدأ الإبداع الفكري الحق إلا مع البدء بتحصيل الأدلة في النصوص المترجمة، ولا تحديث للفكر الإسلامي العربي إلا بوجود هذا الإبداع ودوامه.


توقيع : فارس اللواء
من مواضيع : فارس اللواء 0 رسالة في التفكير
0 المُحادّة لله وظاهرة التطرف
0 لا فضائل للشام ولا لأهلها كما نسبوا للرسول
0 درس من حديث خلق التربة
0 صلاة التراويح بدعة أم سُنّة؟
رد مع اقتباس