|
شيعي حسيني
|
رقم العضوية : 37
|
الإنتساب : Jul 2006
|
المشاركات : 13,073
|
بمعدل : 1.92 يوميا
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
شيعية موالية
المنتدى :
منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
بتاريخ : 29-08-2006 الساعة : 02:23 AM
إنّ القيادة الإسلامية بين التنصيص والشورى، ولم يملك يزيد السلطة لا بتنصيص من الله سبحانه ولا بشورى من الامّة، وهذا ما ادركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا الى الحسين (ع) رسالة جاء فيها: أمّا بعد فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الامّة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها(الجزري: الكامل 2 / 266 - 267، والارشاد 203).
ولم يكن الولد (يزيد) فريداً في غصب حق الأمّة بل سبقه والده معاوية إلى ذلك كما هو معروف وليس بخاف على أحد، وإلى تلك الحقيقة الممجوجة يشير الإمام علي (ع) في كتاب له الى معاوية، حيث يقول:
«فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الامور، فقد سلكت مدارج اسلافك بادعائك الأباطيل واقتحامك غرور المين والاكاذيب، وبانتحالك ما قد علا عنك، وابتزازك لما قد اختزن دونك فراراً من الحق وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ممّا قد وعاه سمعك، وملئ به صدرك، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال المبين» .. (نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 65)
هذا ونظائره المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين الى الثورة، وتقديم نفسه وأهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم، مع علمه بأنّه وفقاً لما تحت يديه من الامكانات المادية لن يستطع ان يواجه دولة كبيرِة تمتلك القدرات المادية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أي ثورة فتية، نعم إنّ الإمام الحسين (ع) كان يدرك قطعاً هذه الحقيقة، إلاّ أنّه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة المقدسة شجرة الإسلام الوارفة التي يريد الأمويون اقتلاعها من جذورها.
كما أنّ الإمام (ع) أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الامّة فجعلها حائرة مترددة أمام طغيان الجبابرة وحكّام الجور، وان تصبح ثورته مدرسة تتعلّم منها الأجيال معنى البطولة والتضحية من اجل المبادئ والعقائد، وكان كل ذلك بعد استشهاد الإمام (ع) ، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
كان المعروف منذ ولادة الإمام الحسين (ع) أنّه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء وعرف المسلمون ذلك في عصر النبيّ الأكرم (ص) ووصيّه، لذا كان الناس يترقّبون حدوث تلك الفاجعة، كما أنّ هناك الكثير من القرائن التي تدلّ بوضوح على حتمية استشهاده (ع) ، ومن ذلك:
1 - روى غير واحد من المحدّثين عن أنس بن الحارث الذي استشهد في كربلاء أنّه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:
«إنّ ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج انس بن الحارث فقتل بها مع الحسين (ع) .. (الاصابة 1 / 81 برقم 266).
2 - إنّ أهل الخبرة والسياسة في عصر الإمام كانوا متّفقين على أنّ الخروج إلى العراق يشكّل خطراً كبيراً على حياة الإمام (ع) وأهل بيته ولاجل ذلك أخلصوا له النصيحة، وأصرّوا عليه عدم الخروج، ويتمثـل ذلك في كلام اخيه محمّد ابن الحنفية، وابن عمّه ابن عباس، ونساء بني عبد المطلب، ومع ذلك اعتذر لهم الإمام وأفصح عن عزمه على الخروج(لاحظ المحاورات التي جرت بين الإمام وهؤلاء في الارشاد 201 - 202 طبع النجف ومقاتل الطالبيين 109، اللهوف 20).
3 - لما عزم الإمام المسير إلى العراق خطب وقال:
« الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى اسلافي، اشتياق يعقوب الى يوسف، وخُيّر لي مصرع أنا ألاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جُوّفاً وأجربة سغباً لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ..رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله (ص) لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تَقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى» ( اللهوف 41).
4 - لمّا بلغ عبد الله بن عمر ما عزم عليه الحسين (ع) دخل عليه فلامه في المسير، ولما رآه مصرّاً عليه قبّل ما بين عينيه وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل(تذكرة الخواص 217 - 218).
5 - لمّا خرج الحسين (ع) من مكة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: إلى أين يا بن رسول الله (ص) ما أعجلك عن الموسم؟ قال: « لو لم أعجل لاخذتُ، ثمّ قال له: أخبرني عن الناس خلفك: فقال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، وأسيافهم عليك(الارشاد 218).
6 - لما أتى الى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، قال لأصحابه:
« لقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ليس معه ذمام» فتفرّق الناس عنه، واخذوا يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير مّمن انضمّوا اليه. ومع ذلك فقد واصل (ع) مسيره نحو الكوفة، ولما مرّ ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال عمر بن لوذان، فسأل الإمام: أين تريد؟ فقال له الحسين (ع) «الكوفة» فقال الشيخ: أنشدك لما انصرفت، فوالله ما تقدِمُ إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف، فقال له الحسين: «ليس يخفى علي الرأي، وأنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره» ( الارشاد 223).
وفي نفس النص دلالة على أنّ الإمام كان يدرك ما كان يتخوفّه غيره، وأنّ مصيره لو سار الى الكوفة هو القتل، ومع ذلك أكمل السير طلباً للشهادة من أجل نصرة الدين ورد كيد أعدائه، وحتى لا تبقى لاحد حجة يتذرّع بها لتبرير تخاذله وضعفه.
نعم لقد كان الحسين (ع) على بيّنة من أمره وما سيؤول اليه سفره من مصير محتوم، فلا شيء يقف امام ارادته من اجل اعلاء كلمة الدين وتثبيت دعائمه التي اراد الأمويون تقويضها، أنظر اليه وهو يخاطب الحر بن يزيد الرياحي الذي يحذّره من مغبّة اصراره على موقفه حيث يقول له: «أفبالموت تخوّفني، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، وسأقول كما قال أخو الاوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتول، فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق مثبوراً وخالف مجرما
فإن عشت لم أندم وإن مِتُّ لمَ أُلم *** كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما
( المفيد: الارشاد 225، والطبري في تاريخه 5 / 204)
ثمّ إنّه كان لشهادة الحسين (ع) أثر كبير في ايقاظ شعور الأمّة وتشجيعها على الثورة ضدّ الحكومة الأموية التي أصبحت رمزاً للفساد والانحراف عن الدين، ولاجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين في العراق والحجاز، وهذه الانتفاضات وإن لم تحقّق هدفها في وقتها ولكن كان لها الدور الأساسي في سقوط الحكومة الأموية بعد زمان.
ولقد أجاد من قال: لولا نهضة الحسين (ع) وأصحابه - رضي الله عنهم - يوم الطف لما قام للإسلام عمود، ولا اخضرّ له عود، ولاماته معاوية وأتباعه ولدفنوه في أوّل عهده في لحده. فالمسلمون جميعاً بل الإسلام من ساعة قيامه الى قيام الساعة رهين شكر للحسين (ع) وأصحابه - رضي الله عنهم-( جنّة المأوى 208).
بلى، أنّى للإمام الحسين (ع) الاذعان لحقيقة تسلّم يزيد مقاليد خلافة رسول الله (ص) ، يزيد المنحرف الفاسد، عدوّ الله وعدوّ رسوله، الذي لم يستطع اخفاء دفائنه عندما أحضر رأس سيد الشهداء بين يديه حيث أنشد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلنا قتل بدر فاعتدل
لأهلّوا واستهّلوا فرحا *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل(البيتان الأوّلان لابن الزبعرى، والثلاثة الأخيرة ليزيد، لاحظ تذكرة الخواص 235)
وأمّا بيان خروجه من مكة متوجّهاً الى العراق والحوادث التي تعرّضت له في مسيره الى أن نزل بأرض كربلاء، والتي استشهد فيها مع أولاده وأصحابه البالغ عددهم 72 شخصاً، ظمآناً وعطشاناً، فهو خارج عن موضوع موضوع البحث. وقد أُلّف فيه مئات الكتب وعشرات الموسوعات. فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.
|
|
|
|
|