أبرز نواحي عظمته :
لأبي بكر رضي الله عنه نواح متعددة من العظمة، قد يشارك في كثير منها كثيراً من عظماء الصحابة، ولكن ما يمتاز به عن كثير منهم خصال جعلته في الذروة من عظماء الإسلام وأهمها :
الإيمان
التضحية
الحزم والعقل
التواضع والعفة
الإيمان بالله ورسوله
وهو إيمان حمل الصديق على أن يكون أوّل من أسلم ، وعلى أن يصدّق بكل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من غير شك ولا تردد، وانظر ما أروع موقفه من حادث الإسراء والمعراج ، حين قص النبي صلى الله عليه وسلم على مشركي قريش وعلى صحابته ما حدث له في تلك الليلة، فارتد من ارتد من ضعفاء الإيمان ، وهزئت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم أيما هزء ، وجاء أبو جهل إلى أبي بكر لينظر ماذا يكون موقفه من هذه الحادثة العجيبة ، فإذا بأبي بكر يرد على رئيس الضلالة في قريش بهدوء المؤمن الواثق بنبيه ، المطمئن إلى صدق رسوله : أوقد قال ذلك ؟ فيقول أبو جهل : نعم ! فيقول الصديق : لئن قال ذلك لقد صدق . قال أبو جهل ومن معه : تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وعاد قبل أن يصبح ؟ قال أبو بكر: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، من خبر السماء في غدوة أو روحة . ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه إلى حديث الإسراء ويصدقه ويقول : أشهد أنك رسول الله . متفق عليه
إنه إيمان يبلغ الذروة ، فلا عجب أن يبلغ صاحبه به ذروة العظمة بين عظماء الإسلام . .
2 - تضحيته بنفسه وبماله في سبيل الدعوة
وهو نتيجة محتمة لإيمان أبي بكر ، وما دخل الإيمان قلب مؤمن إلا حمله أول ما يحمله على البذل والتضحية والفداء ، فكيف إذا كان إيماناً كإيمان أبي بكر الصديق ؟ ضحى أبو بكر بنفسه دون رسول الله حين دفع عنه قريشا في فناء الكعبة وهي تريد أن تخنقه ، فما كان من قريش إلا أن مالت على أبي بكر تصفعه وتضربه حتى حمل مغشياً عليه إلى بيته ، لا يتبين أنفه من خده أو عينيه ، فلما أفاق كان أول ما سأل عنه : ماذا فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟
وضحى بنفسه حين هاجر معه ، وقريش تَّـجِدُ في طلبه تريد الفتك به ، وانظر ما أروع هذا الموقف حين يقول أبو بكر للرسول وقد وقفت قريش على باب الغار: يا رسول الله : لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لرآنا. . ولكن الرسول عَـلم كيف يُـطمئن من روع صديقه بالكلمة الخالدة : " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ".
وضحى بماله كله في سبيل الدعوة . تقول عائشة رضي الله عنها : أنفق أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألفاً ، ولما طلب الرسول من الصحابة تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك ، تقدم الصحابة بمال وجاء عثمان بمال كثير ، وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء أبو بكر بكل ماله ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ " قال : أبقيت لهم الله ورسوله .
بخ بخ يا أبا بكر. . ما أروع إيمانك بالله ورسوله ، وما أروع بذلك في سبيل الله ورسوله و شريعته ؟
3 – عقله الكبير وحزمه عند الشدائد
وحسبك من عقله أنه في الجاهلية أبى أن يسجد للأصنام ، وقومه يتهافتون على عبادتها ، وأبى أن يشرب الخمر، وقومه يتمادحون في شربها وإراقتها ... لقد أدرك بعقله الكبير أن عبادة الأصنام سخف وضلالة ، وأن شرب الخمر أذى وانحلال ، وحسبك من حزمه موقفه يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوم قامت حروب الردة . لقد جزع الصحابة لوفاة رسول الله جزعا بالغاً ، حتى خرس بعضهم ، وأقعد بعضهم ، ونادى عمر: إن الرسول لم يمت ، وسيعود . إلا أن أبا بكر أعلن أن رسول الله مات كما يموت الناس جميعاً ، ورد عمر عن قوله ، وهدأ من غليان النفوس ، ورد السكينة إلى القلوب ، وذكر المؤمنين بقول الله تبارك وتعالى : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " . سورة ال عمران : الاية 144
وأما موقفه من حروب الردة ، فهو أعظم ما يؤثر عن الرجال من الحزم المصمم ، والإرادة الحازمة في مواقف الشدة . ولولا أن ثبت الله قلب أبي بكر على الحق ، وآتاه حزم أولي العزم من الأنبياء والرسل ، لطوحت الفتنة بصرح الإسلام الفتي ودولته … ومن هنا كان أبو بكر المؤسس الثاني للإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
4 - تواضعه وعفته
والعظيم مثل أبي بكر أبعد من أن يغره الملك ، وتنأى به الرئاسة عن آداب الإسلام وأخلاقه ، ظل في الخلافة كما كان قبلها ، لينا سهلا رحيما بالمسلمين ، غيورا عليهم . وحسبك من هذه القصة التالية مثلا على تواضع أبي بكر في خلافته :
كان أبو بكر يعتاد أن يحلب الغنم للنسوة العاجزات ، وللفتيات القاصرات كل صباح ، فلما ولي الخلافة قالت بنات الحي : الآن لا يحلب لنا أبو بكر أغنامنا . فبلغ ذلك أبا بكر فقال : " بلى والله لأحلبن لكن كما كنت أصنع من قبل ، وأرجو ألا يغيرني الله عن خلق كنت أعتاده قبل الخلافة لا.
هذه والله هي العظمة … وهذا لعَمْرُ الله هو العظيم .