|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,073
|
|
بمعدل : 0.52 يوميا
|
|
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
صدى المهدي
المنتدى :
منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
بتاريخ : يوم أمس الساعة : 09:20 AM
ج - الإفتاء: فقد قال الإمام الباقر (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أُحِبُّ أن يُرى في شيعتي مثلك»(ظ¥ظ¥).
وعن معاذ بن مسلم النحوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «بلغني أنَّك تقعد في الجامع فتُفتي الناس»؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون. ويجيء الرجل أعرفه بمودَّتكم وحبِّكم، فأُخبره بما جاء عنكم. ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: «اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع»(ظ¥ظ¦).
وعن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام) إلَّا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي على حلال الله وحرامه...»(ظ¥ظ§).
النقطة الثالثة: الغيبة غير مانعة من الاستفادة من الأصول العلمية:
من المعلوم أنه ومع وجود أصول العلم والكثير من التفريعات التي تغطي مساحة واسعة من الحاجات المستجدة، بالإضافة إلى وجود الأصول العملية التي أسسها أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم، والتي اهتم بها الفقهاء بحثاً وتنقيباً وتأسيساً وتدقيقاً، فإنه يمكن أن يقوم الفقهاء بالمهمة العلمية التي يحتاجها الشيعة ولو كان المعصوم غائباً.
وبعبارة أخرى: أن الغيبة غير مانعة من أن يستفيد الفقهاء من العلوم التي وصلت إليهم، ضمن المنهجية العلمية التي تمت الإشارة إليها في النقطة الثانية.
ويشير إلى هذه الحقيقة ما روي عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن عليٍّ (عليهما السلام) أنَّه قال في خطبة له على منبر الكوفة: «اللَّهُمَّ إنَّه لابدَّ لأرضك من حجَّة لك على خلقك، يهديهم إلى دينك ويُعلِّمهم علمك، لئلَّا تبطل حجَّتك ولا يضلُّ أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به، إمَّا ظاهر ليس بالمطاع أو مكتتم مترقِّب، إن غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم، فإنَّ علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون»(ظ¥ظ¨).
خصوصاً مع وجود عنصري الثابت والمتغير في القوانين الإسلامية، حيث إن وجود العنصر المتغير يُضفي مرونة على التشريع الإسلامي ليواكب الحياة، وبالتالي يتمكن الفقهاء من الاستفادة منه في تغطية الحوادث المستجدة، ولو كان المعصوم غائباً.
والمقصود من المتغير: أنه قانون إسلامي له القابلية على التجدّد وعلى الانطباق على ما يأتي به الزمان من مفردات، فهو أشبه بالقاعدة الكلية التي تنسجم مع متغيرات الحياة، ولنضرب مثلاً لهذا المعنى بوجوب الصلاة، فالصلاة واجبة على المسلم، فهل هذا الحكم يتغير بتغير الزمان والمكان؟
كلا، إنه لا يتغير أبداً، فهو ثابت إلى يوم القيامة، وهكذا الحال في وجوب الصوم وحرمة شرب الخمر وغيرها، فهذه أحكام ثابتة لا تتغير.
ولكن مثل قوله تعالى: ï´؟وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِï´¾ (الأنفال: ظ¦ظ*) هذا قانون إسلامي، فهل نتصور أو نتوقع أن الله سبحانه تعالى يريد من الجيش الإسلامي أن يكون دائماً وفي كل الأزمات عنده خيل أو سيف ورمح فقط؟!
إن القرآن في هذه الآية كأنه يريد أن يقول للمسلمين: ابنوا وأسّسوا جيشاً معداً بالأسلحة، ومهيأً لأي حركة متوقعة، وفي ذلك الوقت كان مصداق هذا الإعداد هو رباط الخيل، أمّا في هذا الزمن فلا معنى لأن نلتزم بتلك الكلمة، بل الصحيح هو أن نُبقي على القاعدة الأصلية وهي (إعداد الجيش) لكن نُغير في الانطباق، فنعدّ الجيش ونمدّه بالأسلحة الحديثة، وبذلك نكون ممتثلين لأمر الله تعالى.
ومثال آخر: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وقد كان طلب العلم في ذلك الوقت من خلال الكتاتيب، فيقرأ المعلم والطلبة يستمعون له، أمّا الآن فقد أصبح التعليم الكترونياً، ولو بقينا على ما كان في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينها سنحكم على هذه الطريقة الآن بأنها بدعة! ولكن باعتبار أن القاعدة هي طلب العلم، وطلب العلم مصاديقه متعددة تختلف باختلاف الزمان، فنبقى على الأصل وهو ثابت، وأمّا مصاديقه فتختلف وتتغير بتغير الزمان، وهذا من أهم الفواصل والفروقات بيننا وبين غيرنا من السنة، فهم في كثير من الأحيان جمدوا على ظاهر النص، ولم يبنوا على تغير النص بتغير أحوال الحياة.
النقطة الرابعة: تأسيس نظام الاجتهاد وفق أصول منهجية:
إن تأسيس نظام الاجتهاد - وفق الحدود التي ستتم الإشارة لها - أدى إلى الحفاظ على منهجية المدرسة الشيعية علمياً، الأمر الذي أدى إلى تطورها فقهياً قياساً بالمدرسة الأخرى.
والتفصيل في النقطتين الآتيتين:
النقطة الأولى: معنى الاجتهاد:
إنَّ اصطلاح الاجتهاد يُطلَق على معنيين(ظ¥ظ©):
المعنى الأوَّل: الاجتهاد مقابل النصِّ والاجتهاد بالرأي:
وهذا هو الذي يرفضه الشيعة، إذ معناه أنَّ الفقيه إذا لم يجد نصّاً على الحكم الشرعي، فإنَّه يُعمِل فكرَه ورأيَه، فيحكم حسب ما يراه هو ويستحسنه، بل قد يحكم على خلاف ما ثبت شرعاً، لأنَّ رأيه يرى ذلك! ممَّا يعني سلب الحجّية عن أحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولو بطريق غير مباشر.
وقد أُطلق على أتباع هذا الاجتهاد بأتباع مدرسة الرأي، في قبال أتباع أهل البيت (عليهم السلام) الذين يرون وجوب اتِّباع النصِّ والتعبُّد المطلق به وعدم جواز مخالفته، كالنصِّ على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجواز الزواج المنقطع، وعمرة التمتُّع، وغيرها من المسائل.
وقد روي عن حمّاد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما خلق الله حلالاً ولا حراماً إلَّا وله حدٌّ كحدِّ الدور، وإنَّ حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة...»(ظ¦ظ*).
فما بيَّنه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حجَّة مطلقاً وإلى يوم القيامة، ولا يُسمَع كلام بعض الآراء الشاذة ممَّن يحاول سلب الحجّية عن أقواله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
المعنى الثاني: الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعية الأصيلة: القرآن والسُّنَّة:
وهذا المعنى هو الذي يقصده الشيعة، ويجعلونه واجباً كفائياً، وليس هو مصدراً للتشريع في عرض المصادر الأُخرى، وإنَّما هو عملية استخراج للحكم من نفس النصِّ، فهو ابن للنصِّ ولا يعارضه أبداً. (وستتبين المسألة أكثر في مستقبل البحث إن شاء الله تعالى).
والشيعة في ذلك يستندون إلى أدلَّة خاصَّة، مثل ما روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّما علينا أن نُلقي إليكم الأُصول، وعليكم أن تُفرِّعوا»(ظ¦ظ،).
وللمجتهد شروط لا يمكن حصولها إلَّا بعد بذل جهد جهيد ووقت طويل، والتزام بالورع والتقوى، ومعايشة القرآن الكريم وأحاديث السُّنَّة الشريفة لسنوات طوال، وفوقه التوفيق الإلهي.
النقطة الثانية: حدود الاجتهاد الشيعي(ظ¦ظ¢):
لا يخفى أن الاجتهاد في العرف الديني الشيعي، يمثل البنية التحتية لموقع الفتيا والقضاء ومنصب المرجعية، وبالتالي فهو يحتل مكانة أساسية ومفصلية وحساسة في هذا الكيان، وعلى هذا الأساس فإن عملية ضبطه وتقنينه وتحديد أطره ومساحاته، - لا أقل على المستوى النظري والمعرفي - من الضرورة بمكان؛ لأن هذا التحديد والتأطير سوف يغلق الباب على الحالة الهلامية والضبابية المتشابكة بين هذا العنوان وبين غيره من العناوين، هذا أولاً.
وثانياً: سوف يغلق الباب لاستغلاله وتوظيفه من قبل الأشخاص غير المؤهلين لتسنمه.
وثالثاً: سيغلق الباب أيضاً أمام عمليات التسطيح والتهميش لهذا المفهوم في الموضوعات المعرفية والعلمية.
لذلك كان من المناسب بيان حدود الاجتهاد عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ما سيُبين مفهومه كثيراً في نفس الوقت.
والحدود التي ستتم الإشارة إليها هي:
الحد الأول: حفظ الفاصلة بين العصمة والاجتهاد:
نحن نحصل على المعلومة من خلال المعصوم (عليه السلام)، ومن المجتهد في زمن غيبة المعصوم، إلّا أن هذا لا يعني أبداً المساواة بين المعلومتين، بل إن بين العصمة والاجتهاد مسافة كبيرة جداً؛ لأن المعلومة التي نحصل عليها من المعصوم هي معلومة معصومة، وبالتالي فهي تعني المعلومة المضمونة الحقانية والصوابية، والمطابقة للواقع تماماً، وبالتالي فهي التي لا تقبل الخلاف، فيكون العلم الحصولي بها على حد العلم الحضوري، فإن العلم الحضوري يستحيل فيه الخطأ؛ لأن الخطأ فرع الاثنينية، فرع وجود مطابِق ومطابَق، والمعلوم الحضوري هو الواقع، فلا توجد اثنينية بين العلم والمعلوم، والمعلومة الحصولية المعصومة على وزانها وقانونها وإن كانت الاثنينية موجودة.
أمّا المعلومة الناشئة من الاجتهاد التخصصي، فهي معلومة غير مضمونة الحقانية والصوابية، وفيها احتمال عدم المطابقة مع الواقع، ولا يمكن طرد نسبة الخطأ عنها، فهي معلومة تنتمي إلى مقولة:
على المرء أن يسعى بمقدار جهده * * * وليس عليه أن يكون موفقاً
هذا هو الحد الأول للاجتهاد، وبه نعرف فرقاً مهماً بين المعلومة التي نحصل عليها من المعصوم، والتي نحصل عليها من المجتهد.
الحد الثاني: الاجتهاد فهم لا تشريع، وفي طول النص والمعصوم لا في عرضهما:
واحدة من الأسس المهمة التي عمل الفكر الشيعي على تأصيلها وترسيخها في منظومته الفكرية، هي مسألة التراتبية الطولية بين موضوعتي التشريع والاستنباط، وأن المستنبط والمجتهد ليس له أي دور في جعل وإيجاد وتكوين التشريعات، بل كل دوره ينحصر في فهم ما يلقيه عليه الشارع، وبيان تلك التشريعات وتنزلاتها وتطبيقاتها.
ويترتب على ذلك: أن أي زحاف يحصل في عملية الاستنباط بالعمل في مساحات خارج دائرة عمله، فإنه سيؤدي بشكل تلقائي إلى انقلاب ماهوي في حقيقة الاستنباط، لتتلبس بماهية التقنين التشريعي، وتتحول من الحالة الطولية مع موضوعة التشريع إلى الحالة العرضية.
تنبيه: المغالطة في إمكان الارتباط المباشر بالمعصوم (عليه السلام) بلا حاجة إلى متخصص:
ظهرت أصوات من هنا وهناك حاولت التقليل من ظاهرة التخصص، وقالوا بأننا لا نحتاج إلى وسيط يدخل فيما بيننا وبين المعصوم (عليه السلام).
والحال أن الوجدان قاضٍ بأن التخصص ضرورة، ولابد منه في فهم الدين، نعم حدود مرجعية التخصص تختلف عن حدود مرجعية المعصوم (عليه السلام)، فالمعصوم (عليه السلام) حجة في كلامه وفعله وتقريره، والمتخصص حجة في كلامه فقط وبحدود التخصص.
الحد الثالث: فرصة الاجتهاد نسبية لا مطلقة:
إن المعيار في الحقانية هو المطابقة مع الواقع ونفس الأمر، وليس المناط مرتبطاً بأمزجة وإدراكات الناس، بحيث إنهم إذا أجمعوا على أمر كان حقاً، وإن لم يجمعوا كان باطلاً، بل المناط هو في مطابقة الواقع، فإن طابقت الفكرة الواقع فهي حق، حتى لو فرضنا إجماع الناس كلهم على بطلانها، وإن لم تطابق الواقع فهي باطلة، وإن فرضنا اتِّفاق الناس على حقانيتها.
العلوم والمعارف بعضها نظرية، وهي ما تحتاج إلى دليل، وبعضها بديهية، أي إنها مطابقة للواقع في حد نفسها، وهي تكون الدليل على صحة العلوم النظرية.
مما يعني أنه لابد أن تنتهي العلوم النظرية إلى البديهية، وإلّا تبقى غير مستدلة، ولا ضمان لكونها مطابقة للواقع، فلا ضمان لكونها حقاً.
فالعلوم لابد أن ترجع إلى بداية بديهية، أو قل: بداية معصومة، أي مضمونة المطابقة للواقع.
هذا بشكل عام.
تأسيساً على هذه الفكرة، فإنه مع حضور وظهور المعصوم (عليه السلام)، فإنه يكون هو البداية القاطعة لأي معرفة نظرية، فنحن لو عرضت علينا مسألة نظرية، ولم نعرف الحق فيها، فنرجع إلى المعصوم ليعطينا الحق فيها.
ولكن حينما يغيب المعصوم (عليه السلام) عن الواقع الخارجي لسبب أو لآخر، وتمر البشرية في حالة استثنائية طويلة (وهي عصر الغيبة) تصبح البداية والبديهي والفكرة المعصومة خارج المتناول، فكان لابد من توفر بداية أخرى، تكون هي المرجع لكل المعارف الدينية الأخرى، فكانت المرجعية الدينية التي تمثل نقطة البداية في زمن الغيبة، لا بمعنى أنها نقطة مستقلة في حد نفسها، وإنما بمعنى أنها الخيط الرابط بين النظريات وبين التعلق بالمعصوم ومعرفته وعلومه.
والاجتهاد في متناول اليد، أي إنه يمكن الوصول إليه وفق منهجية علمية منضبطة.
وهذا المعنى في الوقت الذي يثبت ضرورة الاجتهاد كبداية للمعارف في زمن الغيبة، هو يعني ضرورته العلمية والمنهجية أيضاً، إذ لولا هذه المرتبة من العلم، لفقدنا البداية للنظريات التي لدينا، ولحصلت الفوضى المعرفية والعشوائية العلمية.
ولعله إلى هذا المعنى يشير ما روي عن الإمام الهادي (عليه السلام) أنه قال: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلَّا ارتدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يُمسِكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يُمسِك صاحب السفينة سكّانها، أُولئك هم الأفضلون عند الله (عزَّ وجلَّ)»(ظ¦ظ£).
كل هذا صحيح، ولكن هذا لا يعني أن الاجتهاد سيوفر المعلومة المعصومة بالمطلق، كالتي يأتي بها المعصوم نفسه، كلا، وإنما هي فكرة تمثل البداية بالنسبة لغير المجتهد وفي زمن الغيبة فقط.
وعلى كل حال، فإن واحدة من مهام المعصوم وعناياته طيلة فترة الظهور كانت هي توفير جملة من البداهات للأمة، لتصبح هي الهيكيلة المعرفية لأتباعه، تؤطر حركتهم العلمية.
ولذلك جاءت النصوص الدينية الكثيرة التي دلت على ضرورة رجوع الجاهل إلى العالم عموماً، والرجوع إلى رواة الحديث في ما يتعلق بأمور الدين خصوصاً، وقد تقدمت بعض تلك النصوص.
ومن كل ما تقدم يتلخص: أن الرجوع إلى المجتهد إنما يكون في زمن الغيبة، لأنه الطريق الوحيد الذي يوفر لنا الدليل على ما عندنا من نظريات، أمّا في زمن الظهور، فيكون المرجع هو المعصوم، ومن يجعله نائباً عنه.
الحد الرابع: حفظ الفاصلة بين لغة التخصص ولغة الثقافة العامة:
تتبلور ضمن أروقة التخصص لغة خاصة بهم، تكون هي الوسيلة للتخاطب العلمي والتخصصي فيما بينهم، هذه اللغة تختلف ماهوياً وبنيوياً عن تلك اللغة التي تستخدم في الأنساق المعرفية الثقافية العامة، وما يهمنا في هذا السياق هو:
صحيح أنه لابد من تكامل اللغتين وعدم استغناء كل منهما عن الأُخرى في توصيل المعلومة إلى الذهنية العامة، فاللغة العلمية المتخصصة ينبغي أن تتم صياغتها وفق أسس أدبية معينة، فليس من الصحيح أن يكتب المتخصص علومه ومعارفه بلغة غير منضبطة نحوياً مثلاً أو أنه يستعمل ألفاظاً لا تدل على المعنى المقصود له، وإن كان له مصطلح خاص فلابد أن يوضحه بطريقة أدبية واضحة.
ولكن هذا لا يعني أن تكون السياقات العلمية في الأروقة التخصصية مكتوبة بلغة بعيدة عن الانضباط العلمي والمنهجي، وهذا ما يكشف لنا عن بعض الصعوبة التي نواجهها في فهم كلمات الأعلام في كتبهم التخصصية، بل في بعض الأحيان نجد الصعوبة حتى في فهم الرسالة العملية، ذلك لأن الأروقة العلمية تقتضي أن تتم كتابة التخصص بلغة خاصة وبمنهجية علمية.
فلا يأتين شخص ويُشكل على المجتهدين بأنهم يكتبون بلغة علمية صعبة، فإن هذا هو مقتضى الأروقة العلمية التخصصية، وهذا أمر واقعي نجده في كل التخصصات، فالتخصص الطبي له لغته وسياقاته وصياغاته الخاصة التي لا يفهمها إلّا من يقضي وطراً من عمره في معايشة مصطلحات هذا التخصص العلمي وفهمها وهضمها ليفهمها بطريقة علمية صحيحة.
والحاصل: أن ثمة فاصلاً واضحاً بين لغة الاختصاص ولغة الفهم العام، وأنه لا ضرورة تدعو المتخصص أن يتحدث بلغة عامية غير تخصصية، نعم، لابد من وجود حلقة وصل بين المتخصص وبين عموم الجمهور ليفهموا مصطلحات المتخصص.
وهكذا الحال في القضايا الاجتهادية، فإنه ليس من الضرورة أن تُكتب بلغة عامية يفهمها الجميع، بل لها أروقتها المعرفية التي تقتضي أن تكون اللغة المستعملة فيها تخصصية كما تبين، وعدم قدرة المجتهد على بيان معانيه العلمية بلغة ثقافية لا يُشكل نقصاً فيه، نعم، يمكن لطلبة المجتهد أن يخففوا من ضغط المصطلحات وبيانها بلغة أقل تخصصاً، وهكذا وصولاً إلى لغة العامة.
ولذلك ينصح العديد من الأساتذة أنه عندما يريد طالب العلم أن يبين مسألة شرعية لغير طلبة العلم، فعليه أن يختار المسائل الابتلائية من جهة، وأن يستخدم اللغة البسيطة في إيصال المعلومة وعدم استعمال المصطلحات العلمية، ولكن لا ضرورة لذلك في الدروس التخصصية الحوزوية، لأن لكل مقام مقالاً كما يُقال.
الحد الخامس: العدالة والتخصص:
ضرورة النزاهة السلوكية:
في مجمل التخصصات التي لها ارتباط بالإنسان، لا يكون العلم فقط هو المعيار الوحيد لاختيار هذا المتخصص دون ذاك، بل يقترن التخصص العلمي والمستوى المعرفي بمقدار معين من النزاهة المرتبطة بالسلوك.
ونعني بالنزاهة هنا: هي مطابقة السلوك الذي يمارسه المتخصص للفكرة والنظرية التي يتبناها ويؤمن بها.
فالطبيب - مثلاً - لا يمكن أن يكون أحد خيارات المريض ما لم يعتقد المريض بأن هذا الطبيب سوف يصف له الدواء وفق ما تقتضيه النظريات العلمية التخصصية التي يؤمن بها، أمّا لو كان هذا الطبيب محتالاً، ويريد أن يغش المريض بنوعية الدواء، أو يعطيه دواءً ليس بحاجة إليه...، فإن هذا الطبيب سوف لن يكون أحد خيارات المريض في علاجه من مرضه.
وهكذا الحال مع كل التخصصات الأخرى كالمهندس والبنّاء والنجار وميكانيكي السيارات...، ففي كل هؤلاء نجد أن الإنسان بطبيعته يتحرك نحو الشخص النزيه الذي تتطابق فيه الفكرة والسلوك، النظرية والتطبيق.
التماهي الحرفي بين النظرية والتطبيق:
في بعض التخصصات، سيما تلك التي ترتبط بالدين والفكر الديني، لا يتم الاكتفاء بالنزاهة، بل نجد أن الناس يبحثون عن تطابق ماهوي بين النظرية التي يدعو لها صاحبها وبين تطبيقه لتلك النظرية ومقدار تمثلها في ذاته.
فالشخص الذي يقول: إنه مرسل من السماء ومرتبط بها، وهو القرآن الناطق، وهو من يحمل العلوم الخاصة، ويحمل الحقيقة، لا يتم الاكتفاء فقط بالمقولة التي يحملها ومقدار حقانيتها ومطابقتها لنفس الأمر والواقع، بل يتم البحث عن مديات عليا من تمثُّل تلك النظرية والرؤية العالية في سلوك صاحب هذه النظرية، لتصل في بعض الأحيان إلى المطالبة بعصمته عن الخطأ والزلل.
فالشخص الذي يروج لموضوعة الأخلاق بين الناس، ويتكلم بالتواضع والزهد والكرم...، فإن هذا الشخص ما لم يكن متمثلاً لتلك المفاهيم في سلوكه وأفعاله، فلا أقل سوف يسري الشك حول حقيقة تلك المفاهيم، وهل إنها قابلة للتطبيق أو لا، فالناس تعتبر جزءً من صدق المقولة هو تمثل صاحب المقولة لها في سلوكه وأفعاله.
هذا فضلاً عن أن تأثيره بالناس وجذبهم نحو النظرية التي يدعو إليها متوقف على مقدار تمثلها في سلوكه كما هو واضح، ولذا روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه، وَمُعَلِّمُ نَفْسِه وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ»(ظ¦ظ¤).
ثم إن التوأمة المطلوبة بين الصفتين: العلمية والعملية (ومن خلال الدليل في محله) تفرز لنا ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: عصمة النبي والوصي:
أو قل: العصمة العلمية والعملية في الوسيط بين السماء والغيب وبين الأمة.
ففي هذا المستوى لا يتم الاكتفاء فقط بالعصمة على مستوى الفكرة والمعلومة، وإنما يُراد لهذه المعلومة أن تكون تطبيقاً وتمثّلاً في شخص هذا المعصوم، فلا يقبل في هذا المستوى أن تُمارس المعصية، بل لا يقبل حتى الخطأ والسهو فيه، فكانت التوأمة بين الشرط العلمي والشرط العملي بحد العصمة.
المستوى الثاني: الفقاهة والعدالة في المرجع الديني:
ففي مستوى العلوم الدينية يتم التنازل عن شرط العصمة العلمية إلى الفقاهة والخبرة، كما يتم التنازل عن شرط العصمة العملية إلى العدالة في أعلى مستوياتها أو مطلق العدالة (على اختلاف الباحثين).
فالخطأ غير المقصود والسهو الذي يصدر عنه في العلم أو التطبيق مغتفر ومقبول، ولكن الشرط العملي لا يقف عند حدود صدقه في تسويقه للمعلومة، بل يتعدى ذلك ليصل إلى مستوى التزامه العملي الدقيق بما يقول، من دون المطالبة بعدم الخطأ أو السهو في ذلك.
المستوى الثالث: التخصص والنزاهة:
في مستوى العلوم الحياتية (طبيب، مهندس، نجار، ميكانيكي...) يشترط - إلى جانب المستوى العلمي الذي يحمله وهو التخصص - شرط عملي يتعلق بصدقه في نقله وتسويقه لمعلومته، هو شرطٌ يُلزم هذا المتخصص أن لا يخون ولا يخادع من يرجع إليه في تخصصه، وكل ما عدا ذلك فليس مطلوباً ومراداً من قبل الناس، حتى لو يكن المتخصص ملتزماً في بُعده العملي الشخصي بمعلومته التخصصية، فكل ما يطلب من الطبيب صدقه ونزاهته في نقل معلومته الطبية للمريض، أمّا كونه يطبقها أو لا في حياته الشخصية العملية فهو أمر لا يعني مراجعيه، ولذا قد نراجع طبيباً يمنعنا من الأكلات الدسمة وهو يأكلها، ونأخذ بدوائه ونصائحه، لأننا نعتقد بنزاهته في هذا المجال وإن خالف علمه عملياً.
والحاصل: أن اشتراط العدالة في مرجع التقاليد نابع من أننا اتبعنا أشخاصاً معصومين في تصرفاتهم وإدراكاتهم، فلم يرتض الشرع والعقل بديلاً عنهم زمن الغيبة ما لم يكن على مرحلة عالية من الوثاقة والعدالة.
وهذه الشروط هي تعبير عن ارتباطات عضوية لا تقبل التفكيك أو التجزئة بين العلم والعمل، خصوصاً في مجال العلوم الإنسانية، وبالأخص العلوم الدينية المؤسسة على معرفة المطلق والارتباط به.
والعدالة هي الترجمة العملية في الفرد الذي يطرح تصوراته ومقولاته للمتابعة والتقليد.
الحد السادس: حجية المنهج المشترك دون الخاص:
أ - واحد من أهم المرتكزات العقلائية في موضوعة التفهيم والتفاهم بين الناس هو المنهج المشترك، هذا المنهج هو ما يسمح للتعاطي السلس داخل أروقة المجتمع بأن يفهم كلٌّ منهم الآخر، فتمتد من خلال هذا المنهج المشترك جسور التواصل بينهم فعلاً وانفعالاً.
ب - واحدة من ثمرات المنهج المشترك هو أن منه ينبثق موضوعة الحجية وإلزام الآخر، فإن المنهج المشترك يمثل البنية التحتية والأساسية في تشييد هذه العلاقة، فلا يمكن للحجية أن تتأسس على أدوات مبهمة وغير مفهومة للجميع ولا يمكن قراءتها وتحليلها من قبل الآخرين.
وهذا المعنى سيال وضروري حتى مع اعتماد الوسيط، فإن حجية قول من أرسل الوسيط (كما لو أرسل الله تعالى نبياً يكون واسطة بيننا وبينه) مرهونة بكونها لغة عامة ومشتركة ومنهجاً مفهوماً لمن هم دون الوسيط، بحيث يستعمل الوسيط لغة يفهمها الناس، لا أنها لغة خاصة ومنهج مبهم بينه وبين الله تعالى، وإلّا فكيف سنفهم مرادات الباري جل وعلا، وبالتالي، لو لم نفهم لغة الوسيط، فلا حجية له علينا.
على سبيل المثال لو ذهبت إلى الطبيب لغرض العلاج من مرض ما، وكان هذا الطبيب يعتمد على مصادر طبية خاصة، مجهولة تماماً لغير شخص هذا الطبيب، ولا يمكن لغيره الاطلاع عليها ونقدها وفهمها، وهي غير تلك المصادر الطبية التي يعتمدها الطب في العالم، حينها سيكون الرجوع إليه والتداوي على يده واعتبار مقولاته حجة وملزمة أمراً مجانباً للصواب جداً، حتى وإن كان الطبيب مورداً لثقة الآخرين وقبولهم من ناحية صدقه وعدم كذبه.
ج - لو لم يتوفر لدى الوسيط إلّا اللغة الخاصة والمنهج الخاص، فما هو البديل عن اللغة المشتركة؟
الجواب: لابد من طريقة تثبت حقانية -وبالتالي حجية- ما يأتي به الوسيط، بحيث تكون كاشفة عن صدقه وبنسبة تامة، ومن هذا القبيل وجدنا أن الأنبياء، حيث إن مصدر معارفهم وعلومهم هو مصدر خاص (اللغة الوحيانية)، فاحتاجوا إلى موضوعة الإعجاز؛ لأن المعادلة التي يعتمدونها مجهولة تماماً بالنسبة لغيرهم، وهي غير قابلة للفهم والتحليل من قبل غيرهم، ولكن لكون الدليل دلّ على عصمتهم ولابدية تصديقهم، كان التسليم بمقولاتهم ضمن السياقات المنهجية العلمية.
فكل لغة خاصة ومنهج خاص لم يقم الدليل على حجيته فهو بطبيعته يدخل في دائرة اللاحجية.
د - ومنه نعلم أن اعتماد الأحلام أو قراءة الفنجان أو اعتماد غير المعصوم المكاشفة مصدراً معرفياً، كلها خارج دائرة الحجية.
ومثله ما لو ادّعى أحدٌ لقاء المعصوم في عصر الغيبة الصغرى ونقْل بعض التعليمات والأحكام عنه، فإنه خارج عن دائرة الحجية.
كل ذلك لأن هذه المصادر خاصة ولا تمثل لغة معرفية عامة قابلة للمتابعة والتحقق، ومن ثَمّ لا تصلح مصدراً معرفياً ولغة إلزام للآخر.
والذي يُراد قوله بالضبط: إن أي لغة لم تكن ضمن اللغات العامة والمناهج المشتركة، وكانت ضمن اللغات الخاصة، فهي في حجيتها تحتاج إلى دليل، ولا يعني هذا أبداً القدح بالشخص الذي مارس هذه اللغة الخاصة واعتمد عليها، وإنما الكلام كل الكلام في حجيته وإلزامه للآخرين.
هـ - والسر الكامن وراء عدم حجية اللغة الخاصة والمنهج الخاص، يرجع إلى أن الحجج في السياق الشرعي والعقلائي قائمة على فكرة بذل الجهد واستفراغ الوسع من أجل الوصول إلى مراد المقنن والمشرع، وهذا لا معنى له أبداً في اللغة الخاصة، إذ هي من الأساس ليست متاحة للجميع، ولا يمكن أن يفهمها غير مدعيها، فلو جاء شخص وألقى علينا حكماً شرعياً وقال عنه: إن هذا هو الحكم الذي يريده الله تبارك وتعالى، وقد أخبرني به الوحي، حينها ما هو الدليل الذي يجعلنا نصدق بهذا القول؟
وكيف يكون ذلك القول حجة علينا لو لم يوجد أي طريق يمكن من خلاله إثبات مقولته هذه؟
إنه لابد من أحد أمرين: إمّا أن يتكلم بلغة وبمنهج نتمكن نحن بأدواتنا المعرفية المتاحة لنا أن نتأكد من صحته، (وهذه غير متوفرة لفرض أنه ادعى الوحي أو ادعى أنه التقى بالمعصوم في عصر الغيبة).
وإمّا أن يأتي بمعجزة تثبت أولاً اتصاله بالغيب، وتثبت ثانياً صدقه في مدّعاه، وبالتالي تثبت حجيته علينا.
أمّا أن يأتي بأمر ودليله الأحلام، أو قراءة الفنجان، أو أنه التقى بالمعصوم ولم يثبت ذلك بمعجزة، فمن الواضح جداً أن هذا لا يكون حجة علينا أبداً، حتى لو فرضنا أنه صادق في مدّعاه، أي حتى لو فرضنا أنه فعلاً رأى في الحلم كذا، أو أنه التقى بالمعصوم، ولكن حيث لم يثبت لنا لقاءه بالمعصوم، فلا حجية له علينا.
إذا تبين كل هذا نقول:
أولاً: وضَع الاجتهاد الشيعي خطاً أحمر تجاه كل من يتحدث بهذه اللغات والمناهج الخاصة في الشأن الديني العام، بحيث إن المنهج العام هو عدم حجية من يدّعي دعوى معينة ولا دليل له يمكن أن نفهمه سوى اللغة والمنهج الخاص التي يدّعيها.
ثانياً: إن موضع حركة الاجتهاد الشيعي هي ضمن دائرة المنهج المشترك المتمثل بالقرآن والسنة والعقل، ولم يقبل أن تكون أحد مصادره الأحلام والرؤى، أو أن تكون أحد مصادره أن الشخص الفلاني التقى بالإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) وأرشده إلى الحكم الكذائي، من دون أن يتعارض هذا مع لطفه ورعايته لنا في عصر الغيبة، فهذا موضوع آخر غير ما نتحدث فيه من حجية قول الشخص.
وهكذا لم يقبل الاجتهاد الشيعي أن تكون أحد المصادر هو أن الزاهد الفلاني حصل على الحكم الشرعي من خلال مكاشفة خاصة به، كل هذه وغيرها من المصادر غير المنهجية، لم يرتضها الاجتهاد الشيعي ووضع حولها خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه.
وفي الحقيقة، فإن هذا الأمر عقلائي، ومنهجي في نفس الوقت، وكل من رجع إلى وجدانه يجد أن قول الآخر إنما يكون حجة عليه إذا كان ضمن المنهج المفهوم للجميع، والذي يمكن أن يُستدل عليه بطريقة علمية، وهذا هو معنى اللغة المشتركة في الحجية، وأمّا لو كانت اللغة خاصة بصاحبها، فلو فرضنا أنه صادق في حد نفسه، فإنه لا يكون حجة علينا، لفقدانه وسيلة الإثبات المنهجية.
علماً أن الحديث هنا ليس في صدد تكذيب من ادعى اللقاء بالمعصوم (عليه السلام) في غيبته ولا إثبات ذلك، وإنما حديثنا في حجية قول من ادّعى اللقاء وأخذ الأحكام الشرعية أو التعليمات منه، وفرق بين الأمرين.
فلسنا بصدد نفي أو إثبات الرؤية واللقاء بالإمام (عجّل الله فرجه)، بل كل كلامنا يتمحور في إشكالية توظيف هذا اللقاء في نقل جملة من الأفكار والرؤى إلى الناس وأنه طريقة غير علمية وغير منهجية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم القبول من شخص لا يتحرك في سياق اللغة المتداولة العامة في استدلالاته، ولا يمتلك دليلاً على عصمته، ولم يأت بمعجز يعزز ما يقوله، ولم يقدم دليلاً قطعياً على حجيته...، ونجده ينتهي إلى مقولة: أنني رأيت هكذا بشكل خاص، فمثل هذا الشخص لا يمكن أبداً قبول مدعياته، ولو قبلنا بها لوقعنا في ازدواجية كبيرة، كيف! ونحن نطالب النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إثبات صدق مقولاته بدليل كالعصمة أو المعجزة، في حين أننا نكتفي بما يقول هذا الشخص لصرف كونه صادقاً، بلا بينة ولا دليل!
ولذا لابد من التفكيك بين كون الإنسان طيباً وصاحب سريرة حسنة، وبين أن يأخذ موقع السفارة الخاصة والباب عن الإمام (عجّل الله فرجه)، فهاتان مساحتان لا ينبغي الخلط بينهما، فالعقلاء لا يقبلون من شخص يتصف بالصدق والطيب أن يأخذ موقع الطبيب ليصف لهم الدواء في علاج أمراضهم، وهكذا الحال مع باقي التخصصات، فالقفز في المواقع بلا أي قانون أو ضوابط يؤدي بنا إلى فوضى عارمة.
يجب أن نفهم: أن مدعي اللقاء مع صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) لا يكفي في تصديقه صرف كونه صادقاً وإنساناً خيّراً؛ لاحتمال توهمه أو وقوعه في الخطأ، وإن كان صادقاً، لأنه غير معصوم حسب الفرض، ولم يأت بمعجزة تدل على صدق مدعاه.
الحد السابع: نيابة عامة لا خاصة:
يحتل شخص المعصوم مكانة خاصة في الوجدان الشيعي لما يمثله في المستوى النظري من حلقة الوصل بين الأرض والسماء، وفي المستوى العملي من تجسيد لكل معاني السمو والكمال.
بالإضافة: إلى دخوله في هوية النسيج العقدي والاجتماعي لهذا التشكل، فإن إيماننا بالمعصوم لا يقتصر على كونه واسطة بيننا وبين النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والباري جل وعلا، وإنما صار إيماننا به (عليه السلام) مفصلاً أساسياً لانتمائنا، ومميزاً لنا عن غيرنا، وانتماؤنا لهذا المذهب الحق لم يكن من دون إيماننا بالمعصومين (عليهم السلام).
من ثم كان أدنى نوع اتصال به يمثل شرفاً عظيماً، ونحن نقدّر - كثيراً - الرواة الذين سمعوا الحديث منهم (عليهم السلام) ونقلوه لنا بكل أمانة، ونجلهم، ونحترمهم.
وهكذا الأمر لو كانت العلاقة معه (عجّل الله فرجه) حاصلة في عصر الغيبة، فكان اللقاء به (عجّل الله فرجه) أمنية تراود نفس كل شيعي وغاية سامية يرنو إليها كل موالٍ.
وقد دوّن لنا التاريخ أسماء شخوص طهرت نفوسهم وارتقوا في مراتب الإيمان، فنالوا شرف اللقاء به (عجّل الله فرجه) منهم السيد ابن طاووس والسيد بحر العلوم وغيرهم.
​
| |
|
|
|
|
|