عاهد شاب ربّه ان لايتعلق قلبه بشئ من حطام الدنيا ، وان لاينظر إلى زخرفها لأنها تنسيه ذكر الله .. وفي احد الأيام مر في السوق على دكان لبيع المجوهرات ، فرأى فيه حزاماً مرصعاً بابهى الدرر واغلى الأحجار الكريمة ، فنسي عهده مع ربّه ، وظل يتأمله مليّاً وقلبه لايمل النظر اليه.. وما ان جاوز هذا الشاب دكان الجواهري حتى افتقد الجواهري الحزام ، فخرج من دكانه على الفور وتعلق بالفتى وقال : يا سارق انت سرقت الحزام ، واني غير تاركك الاّ ان تعيده اليًّ .. واقتاده إلى الحاكم ، قائلاً: ايها الحاكم !.. هذا الفتى سارق؛ سرق مني حزاماً مرصعاً بالجواهر.
تأمل الحاكم الشاب ملياً وقال : لا يبدو لي انّه سارق ، فسيماه غير دالة على انه من اصحاب هذه الفعال .. الاّ ان صاحب الحزام اصر على قوله وشرح له القصة .. فأمر الحاكم بتفتيشه ، ووجدوا الحزام تحت ثيابه .. تعجب الحكم، وقال غاضباً: يا فتى!.. أما تستحي تلبس لباس الأخيار وتعمل عمل الفجار؟.. ذعر الفتى وقال: اصبر علي يا مولاي حتّى اقص عليك حقيقة امري.. ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : يا إلهي !.. لا اعود لمثلها، لقد نسيت ذكرك ووقعت في المعصية ، واني في غاية الندم فاقبل توبتي ولاتفضحني .
ظن القاضي ان الفتى انما اعترف بالسرقة ، فغضب وامر به ليجرده من ثيابه ويضربونه بالسوط .. وفجأة سمعوا صوتاً ولم يروا قائله: ( دعوه لاتضربوه انما اردنا تأديبه) .. تغير القاضي وندم على فعله ، واعتذر من الفتى، وطلب منه ان يقص عليه امره.. فاخبره الفتى بعهده مع ربّه ، وكيف انّه نقض العهد، فوقع على أثر ذلك في تلك الورطة.
ولما سمع صاحب الحزام بالقصّة ، ندم على فعله أيضاً، واقسم عليه ان يأخذ الحزام ويقيله خطأه .. فقال له الفتى : هذا لا يكون ابداً ،فاني قد اوقعت نفسي في هذه الورطة ونلت جزائي عليها .
قال الشاعر :
لا تنظرون إلىالفتى وفنونه وأنظر لحفظ عهوده ووفائه
فاذا رأيت المــرء قــام بعهده فِأحبسه فاق الكلّ في عليائه رباعيات الخيام: ص12
5- بهلول النبّاش
دخل معاذ بن جبل على الرسول صلّى الله عليه وآله باكياً ، فسلّم فرد عليه السلام ثم قال: ما يبكيك يا معاذ؟!.. فقال : يا رسول الله، ان بالباب شاباً طري الجسد، نقي اللون ، حسن الصورة ، يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها يريد الدخول عليك.. فقال النبي صلّى الله عليه وآله: ادخل عليًّ الشاب يا معاذ ؟!.. فادخله عليه فسلم فرد عليه السلام ، ثم قال : ما يبكيك يا شاب ؟.. قال : وكيف لا ابكي ، وقد ركبت ذنوباً ان اخذني الله عز وجل ببعضها ادخلني نار جهنم ؟.. ولا أراني الاّ سيأخذني بها ولا يغفر لي ابداً.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : هل اشركت بالله شيئاً ؟..
قال : أعوذ بالله ان اشرك بربّي شيئاً.
قال : اقتلت النفس التي حرم الله ؟.. قال : لا.
فقال النبي (ص) : يغفر الله ذنوبك ، وان كانت مثل الجبال الرواسي .
فقال الشاب : فانها أعظم من الجبال الرواسي .
فقال النبي صلّى الله وعليه آله : يغفر الله لك ذنوبك ، وان كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها واشجارها وما فيها من الخلق.
قال : فانها اعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها واشجارها وما فيها من الخلق.
فقال النبي صلّى الله عليه وآله : يغفر الله ذنوبك ، وان كانت مثل السماوات ونجومها ، ومثل العرش والكرسي .
قال : فانّها اعظم من ذلك .
قال : فنظر اليه النبي صلّى الله عليه وآله كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك يا شاب!.. ذنوبك اعظم أم ربك ؟..
فخر الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان ربي !.. ما شيء اعظم من ربّي، ربي اعظم يا نبي الله من كلّ عظيم.
فقال النبي صلّى الله عليه وآله : فهل يغفر الذنب العظيم الاّ الرب العظيم ؟..
قال الشاب : لا والله يا رسول الله .
ثم سكت الشاب .. فقال له النبي : ويحك يا شاب!.. الاّ تخبرني بذنب واحد من ذنوبك؟..
قال : بلى اخبرك؛ اني كنت أنبش القبور سبع سنين ، اخرج الأموات ، انزع الأكفان ، فماتت جارية من بعض بنات الانصار، فلما حملت إلى قبرها ودفنت ، وانصرف عنه اهلها ، وجنًّ عليهم الليل، أتيت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها ونزعت ما كان عليها من اكفانها ، وتركتها متجردة على شفير قبرها ، ومضيت منصرفاً ، فأتاني الشيطان فأقبل يُزينها لي ، ويقول : أما ترى بطنها وبياضها ، أما ترى وركيها؟.. فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت اليها، ولم املك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها.. فاذا بصوت من ورائي يقول : يا شاب ويلك من ديان يوم الدين !.. يوم يقفني واياك كما تركتني عريانة في عسكر الموتى ، ونزعتني من حفرتي وسلبتني اكفاني ، وتركتني اقوم جنبة إلى حسابي ، فويل لشبابك من النار !.. فما أظن اني اشم ريح الجنّة ابداً فما ترى يا رسول الله ؟.. فقال النبي صلّى الله عليه وآله : تنح عني يا فاسق ، اني اخاف ان احترق بنارك ، فما اقربك من النار ! ..
ثم لم يزل عليه السلام يشير اليه ويقول حتّى امعن من بين يديه.. فذهب فأتى المدينة فتزود منها، ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها ،ولبس مسحاً ، وغلًّ يديه جميعاً إلى عنقه، ونادى :
يا رب !.. هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول.
يا رب !.. أنت الذي تعرفني ، وزل مني ما تعلم يا سيدي !..
يا رب !.. اصبحت من النادمين .
ولم يزل على هذا الحال يدعو ورفع يديه إلى السماء وقال : اللهم ان كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي ، فأوح إلى نبيّك ، وان لم تستجب دعائي ولم تغفر لي خطيئتي ، وازددت عقوبتي، فعجّل بنار تحرقني عقوبة في الدنيا تهلكني ، وخلصني من فضيحة يوم القيامة .. فانزل الله تبارك وتعالى على نبيّه: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الاّ الله .... }. سورة آل عمران: 135
خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال لاصحابه : من يدلني على ذلك الشاب؟.. فقال معاذ : بلغنا يا رسول الله انّه في موضع كذا وكذا .. فمضى رسول الله باصحابه حتى انتهوا اليه ، فاذا به يبكي وقد اسود وجهه وتساقطت اشفار عينيه .. فدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله فاطلق يديه من عنقه ، وقال : يا بهلول!.. ابشر فانك عتيق الله من النار ، ثم قال لأصحابه : هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول .
ينسب الى الامام علي عليه السلام انه قال :
قريح القلب من وجع الذنوب نحيل الجسم يشهق بالنحيب
أحز بجسمه سهر الليالي فصار الجسم منه كالقضيب
وغير لونه خوف شديد لما يلقاه من طول الكروب
ينادي بالتضرع يا الهي اقلني عثرتي واستر عيوبي ديوان الإمام علي (ع): ص29