|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,262
|
|
بمعدل : 0.55 يوميا
|
|
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
صدى المهدي
المنتدى :
المنتدى العقائدي
بتاريخ : اليوم الساعة : 08:10 AM
المبحث الرابع: البرهان النقضي والمقارن من السنة النبوية القطعية: قضية دار النبي (ص) التي باعها عقيل بن أبي طالب في فتح مكة أنموذجاً
بعد تبيان الأجوبة الحلّية الثلاثة، ينتقل البحث في هذا المبحث الرابع إلى المنهج النقضي الإلزامي الذي صاغه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في جوابه لإبراهيم الكرخي؛ وهو جوابٌ يقلب الطاولة المنطقية على المستدلين بشبهة فدك، إذ يلزمهم من أصح مصادرهم الحديثية (صحيح البخاري وصحيح مسلم) بنظيرٍ نبوي مطابقٍ تمام المطابقة لموقف أمير المؤمنين (عليه السلام).
أولاً: رواية إبراهيم الكرخي عن الإمام الصادق (ع) وتأصيل الاقتداء النبوي
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن إبراهيم الكرخي قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقُلْتُ لَهُ: لِأَيِّ عِلَّةٍ تَرَكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَدَكاً لَمَّا وَلِيَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: لِلِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ وَقَدْ بَاعَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَارَهُ؛ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرْجِعُ إِلَى دَارِكَ؟ فَقَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ لَنَا دَاراً؟ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْتَرْجِعُ شَيْئاً أُخِذَ مِنَّا ظُلْماً! فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَرْجِعْ فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ» (14).
ثانياً: توثيق الواقعة النبوية في صحيح البخاري وصحيح مسلم
إن جمالية هذا الاحتجاج الصادقي تكمن في أن الواقعة التي يستند إليها ثابتةٌ بالتواتر في أصح كتب أهل السنة؛ فعندما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله) وبنو هاشم المؤمنون من مكة إلى المدينة، وضع عقيل بن أبي طالب (وكان يومئذٍ لم يهاجر) يده على دور النبي (صلى الله عليه وآله) ودور بني هاشم في مكة — ومنها دار السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) ومولد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) — فباعها لقريش (أبي سفيان وغيره)، كما استولى المشركون على دور سائر المهاجرين. فلمّا فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة سنة ثمانٍ للهجرة، ودخلها فاتحاً منصوراً مبسوطَ اليد، سأله أسامة بن زيد — كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما —: «قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ زَمَنَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَداً؟ أَفِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟!» (15).
ثالثاً: صياغة البرهان الإلزامي القاصم للملازمة المدّعاة
إذا وضعنا حديثَ الصحيحين هذا في كفة الميزان الأصولي والمنطقي، انهدمت شبهةُ حقبة من التاريخ ومنهاج السنة من القواعد؛ وذلك لأن قياس المستدل يعتمد على مقدمةٍ كبرى مضمرة مفادها: «كلُّ من سُلب منه أو من مورّثه مالٌ أو عقارٌ بغير حق، ثم تمكّن من السلطة والولاية العامة فلم يسترجعه ولم يوزعه على الورثة، فذلك دليلٌ قطعيٌّ إما على أن العقار لم يكن ملكاً له أصلاً، وإما على أنه ظالمٌ لنفسه وللورثة بتركه!». ونحن نحاكم هذه المقدمة الكبرى بواقعة دار النبي (صلى الله عليه وآله) ودار خديجة (عليها السلام) في فتح مكة:
أولاً: هل كانت دارُ النبي (صلى الله عليه وآله) ودارُ خديجة (عليها السلام) في مكة ملكاً شرعياً خالصاً لرسول الله ولفاطمة الزهراء كوريثةٍ لأمها خديجة؟ الجواب باتفاق المسلمين كافة: نعم، كانت ملكاً شرعياً يقينياً لهما. وثانياً: هل كان بيعُ عقيلٍ واستيلاءُ قريشٍ كأبي سفيان عليها قبل الفتح تصرفاً شرعياً نافذاً في الواقع أم استيلاءً بغير حق؟ الجواب: كان استيلاءً بغير إذن المالك الشرعي. وثالثاً: عندما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكة وصارت له الولاية المطلقة والسلطان القاهر، هل استرجع داره ودار خديجة ليعيدها إلى ملكيته وملكية ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وسائر الورثة، أم تركها وأعرض عنها ترفعاً وتأليفاً للقلوب؟ الجواب بنص البخاري ومسلم: تركها ولم يسترجعها ونزل في خيمةٍ بالأبطح!
فنسأل صاحب الشبهة هنا سؤالاً لا فكاك له منه: هل يجرؤ مسلمٌ على القول إن عدم استرجاع النبي (صلى الله عليه وآله) لداره بعد فتح مكة دليلٌ على أنها لم تكن ملكاً له؟ أو أنه — والعياذ بالله — ظلمَ نفسه وابنته فاطمة (عليها السلام) بعدم استرداد دارها ودار أمها خديجة؟! كلا بالقطع والبداهة! بل يقول كلُّ عاقلٍ إن عدم استرجاع المالكِ لحقه بعد التمكّن لا ينفي أصلَ الملكية، ولا يسقطُ إثمَ الغاصب الأول، بل يكشف عن حكمةٍ تشريعيةٍ وسياسيةٍ وترفّعٍ نبوي عن استرداد ما أُخذ ظلماً. فإذا ثبت ذلك في أصل النبوة بنص الصحيحين، فكيف يُستنكرُ على وصيّ النبوة وباب مدينة علمها علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يستنَّ بسنة أخيه وابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول بلسان الحال والمقال: «إنا أهلُ بيتٍ لا نسترجع شيئاً أُخذ منا ظلماً»؟!
المبحث الخامس: سوسيولوجيا الانحراف الموروث وفقه الموازنات العسكرية والسياسية: قراءة تحليلية في خطبة الإمام علي (عليه السلام) العصماء
يتوج هذه المنظومةَ البرهانيةَ الجوابُ الخامس والأخير، وهو الجواب الصادر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) نفسه في خطبته التاريخية العصماء المروية في كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني بسنده عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن هلال بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام). وفي هذه الوثيقة النادرة، يضع أمير المؤمنين (عليه السلام) النقاط على الحروف، كاشفاً عن البنية السوسيولوجية والنفسية المعقدة للمجتمع الإسلامي بعد خمسٍ وعشرين سنةً من التحولات التشريعية والسياسية، ومبيّناً لماذا كان التغييرُ الدفعي لبعض القرارات الموروثة — ومنها قرارُ فدك — كفيلاً بإسقاط دولته من الداخل وتفريق جنده في أوج حروبه المصيرية.
أولاً: استنطاق النص العلوي في الكافي وتشخيص ظاهرة تقديس السنن الموروثة
في هذه الخطبة العظيمة —التي استهلّها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «ألا وإنّ أخوفَ ما أخافُ عليكم خَلّتان: اتباعُ الهوى وطولُ الأمل»—، التفت الإمام (عليه السلام) إلى خاصته من أهل بيته وشيعته ليضع أمامهم تشخيصاً سوسيولوجياً دقيقاً لطبيعة المرحلة، فقال (عليه السلام): «قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِي أَعْمَالاً خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ، نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ، مُغَيِّرِينَ لِسُنَّتِهِ؛ وَلَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا وَحَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا وَإِلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي أَوْ قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِي الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَفَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ!»(16).
ثم لم يكتفِ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتقعيد الكلي، بل سرد حزمةً من الوقائع التشريعية والإدارية والمالية العينيّة التي غيّرها الولاةُ قبله، ووضع «ردَّ فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام» في قلب تلك الحزمة المترابطة، قائلاً (عليه السلام): «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَرَدَدْتُهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَرَدَدْتُ فَدَكَ إِلَى وَرَثَةِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، وَرَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) كَمَا كَانَ، وَأَمْضَيْتُ قَطَائِعَ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِأَقْوَامٍ لَمْ تُمْضَ لَهُمْ وَلَمْ تُنْفَذْ، وَرَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرٍ إِلَى وَرَثَتِهِ وَهَدَمْتُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَرَدَدْتُ قَضَايَا مِنَ الْجَوْرِ قُضِيَ بِهَا، وَنَزَعْتُ نِسَاءً تَحْتَ رِجَالٍ بُضعاً وَرَدَدْتُهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ... وَرَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، وَمَحَوْتُ دَوَاوِينَ الْعَطَايَا وَأَعْطَيْتُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يُعْطِي بِالسَّوِيَّةِ وَلَمْ أَجْعَلْهَا دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ... وَأَنْفَذْتُ خُمُسَ الرَّسُولِ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفَرَضَهُ... إِذاً لَتَفَرَّقُوا عَنِّي!»(17).
ثانياً: الشاهد الميداني التجريبي: فتنة صلاة التراويح وشعار وا سُنَّة عُمراه! في معسكر الكوفة
ولكي يبرهن أمير المؤمنين (عليه السلام) لخاصته وللتاريخ على أن خوفه من تفكك جيشه لم يكن افتراضاً نظرياً، بل كان واقعاً ميدانياً لمسه بالعيان، أقسم بالله تعالى وروى لهم تجربةً عمليةً وقعت له في الكوفة حين حاول تغيير مسألةٍ فقهيةٍ فرعيةٍ واحدةٍ مما أُحدث بعد النبي (صلى الله عليه وآله) —وهي مسألة الاجتماع في نافلة شهر رمضان (صلاة التراويح) التي كان الخليفة الثاني نفسه قد وصفها بأنها «نعمة البدعة هذه» في صحيح البخاري (18)—؛ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَاللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ، وَأَعْلَمْتُهُمْ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِي النَّوَافِلِ بِدْعَةٌ؛ فَتَنَادَى بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِي مِمَّنْ يُقَاتِلُ مَعِي: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ! غُيِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ! يَنْهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَطَوُّعاً! وَلَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَثُورُوا فِي نَاحِيَةِ جَانِبِ عَسْكَرِي! مَا لَقِيتُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْفُرْقَةِ وَطَاعَةِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ!»(19).
إن هذا النص العلوي يقدّم أعمق تفسيرٍ سوسيولوجي وسياسي لطبيعة الدولة العلوية؛ فجيشُ أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة لم يكن جيشاً مكوناً بالكامل من الخواص العارفين بعصمته ونصّ إمامته، بل كان في معظمه جيشاً من عامة المسلمين الذين نشأوا طوال ربع قرنٍ على اعتبار قرارات الخليفتين الأول والثاني شريعةً مقدسةً لا يجوز المساس بها. فإذا كان مجردُ إرجاعِ صلاة النافلة في رمضان إلى السنة النبوية الفردية كاد يفجّر ثورةً وتمرداً عسكرياً داخل معسكر الإمام (عليه السلام) تحت شعار غُيّرت سنة عمر!، فكيف لو أصدر الإمامُ مرسوماً رسمياً ينقضُ فيه حكمَ الخليفة الأول في فدك، ويعلن على الملأ أن أبا بكر وعمر غصبا فاطمةَ (عليها السلام) إرثها ونحلتها، ثم يقتطع فدك من بيت المال ليوزعها على أولاده؟! لقد كان ذلك كفيلاً بتصدع جبهته الداخلية فوراً وانفضاض عامة عسكره عنه إلى معسكر معاوية، مما يؤدي إلى سقوط دولة الحق في مهدها!
ثالثاً: التأصيل المقاصدي المقارن: ترك النبي (ص) نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم(ع)
وهنا يلتقي فعلُ أمير المؤمنين (عليه السلام) مرةً أخرى بأصل السنة النبوية القطعية الثابتة في الصحيحين؛ ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعائشة بعد فتح مكة — وهو في قمة سلطانه ونفوذه — كما في صحيح البخاري وصحيح مسلم: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَلَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَاباً شَرْقِيّاً وَبَاباً غَرْبِيّاً، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ!»(20).
فانظر أيها الباحث اللبيب: إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه قد ترك إرجاعَ بيت الله الحرام — وهو أقدس بقعةٍ في الأرض — إلى قواعد إبراهيم الخليل (عليه السلام) التي غيّرتها قريش في الجاهلية، مراعاةً لحداثة عهد القوم وخشية نفور قلوبهم وافتتانهم، فهل يُعقل أن يُلام وصيُّه علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين ترك القسمة الشكلية لبستان فدك — بعد أن استردّ أصله من مروان إلى يده الولائية — مراعاةً لعدم تفرق جنده وافتتان عسكره في أخطر حربٍ وجوديةٍ ضد البغاة والناكثين والمارقين؟!
الخاتمة والحصاد البرهاني: النتائج العلمية المستخلصة والتوصيات البحثية
في ختام هذه الدراسة التأصيلية والنقدية، وبعد إخضاع شبهة «عدم استرجاع أمير المؤمنين (عليه السلام) لفدك إبان خلافته» للتحقيق الفقهي، والحديثي، والمنطقي، والسوسيولوجي، تَخلُصُ المقالة إلى جملةٍ من النتائج البرهانية الحاسمة:
أولاً: بطلانُ قياس التعدية الإلزامية الذي ساقه ابن تيمية وتبعه المعاصرون كصاحب كتاب حقبة من التاريخ؛ لابتنائه على الخلط المغالطي بين الغصب الابتدائي القهري من يد المالك الشرعي مع سخطه وغضبه وبين تدبير الوليّ المالك لشؤون الوقف والإرث بالتوافق التام مع أولاده الأطهار.
ثانياً: ثبوتُ أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد استردّ فدك فعلياً من إقطاع مروان بن الحكم وأدخلها تحت يده المباشرة، فصارت عوائدُها تُصرف في ذات المصارف الشرعية (في سبيل الله والفقراء وبني هاشم) التي كانت السيدة الزهراء (عليها السلام) تصرفها فيها، وبذلك تحقق المقصودُ الموضوعي للملكية الفاطمية دون حاجةٍ إلى قسمةٍ عقاريةٍ صورية.
ثالثاً: كشفت روايتا أبي بصير وابن فضّال عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) عن حِكمتين متعاليتين في ترك القسمة الشخصية لفدك: أولاهما صونُ الاستحقاق الجزائي الأخروي وإبقاءُ فدك شاهداً تاريخياً وجنائياً مفتوحاً يمنع اختزال قضية الخلافة في تسويةٍ مالية؛ وثانيتهما ترفعُ الحاكم المعصوم عن شبهة استغلال السلطة لمصلحة أسرته في ظرفٍ كان ينتزع فيه قطائع عثمان من القرشيين.
رابعاً: أسقط البرهانُ النقضي المستند إلى واقعة دار النبي (صلى الله عليه وآله) التي باعها عقيل بن أبي طالب بمكة (الثابتة في البخاري ومسلم) الكبرى المنطقية للخصم؛ إذ ثبت بالقطع أن ترك المعصوم استردادَ ملكه المغصوب بعد التمكّن سنةٌ نبويةٌ أصيلة لا تدل على نفي الملكية ولا على ظلم الورثة.
خامساً: أثبتت وثيقةُ الخطبة العصماء في الكافي أن قرار أمير المؤمنين (عليه السلام) كان محكوماً بفقه الموازنات العليا في التعامل مع مجتمعٍ وعسكرٍ تشرّب طوال ربع قرنٍ تقديسَ ما سنّه الولاة السابقون — كما ظهر عياناً في تمرد بعض عسكره عند نهيه عن الاجتماع في التراويح —، فكان حفظُ تماسك الدولة والجيش في مواجهة البغاة أهمَّ في ميزان الشرع والعقل من إعلان نقضٍ إجرائي شكلي لقرارات الماضي.
* جامعة كربلاء / كلية العلوم الإسلامية
...............................................
الهوامش:
(1) انظر في التأصيل الدستوري والسياسي لقضية فدك: الصدر، السيد محمد باقر (ت ظ،ظ¤ظ*ظ*هـ)، فدك في التاريخ، تحقيق: عبد الجبار شرارة، (بيروت: مركز الغدير للدراسات الإسلامية، ظ،ظ©ظ©ظ¤م)، ص ظ¦ظ£–ظ¦ظ©.
(2) ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني (ت ظ§ظ¢ظ¨هـ)، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، (الرياض: جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ظ،ظ¤ظ*ظ¦هـ/ظ،ظ©ظ¨ظ¦م)، ج ظ¤، ص ظ،ظ©ظ¥–ظ¢ظ*ظ¢.
(3) الخميس، عثمان بن محمد، حقبة من التاريخ ما بين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقتل الحسين رضي الله عنه، (الإسماعيلية: مكتبة البخاري، ظ¢ظ*ظ*ظ¦)، ص ظ£ظ،ظ،–ظ£ظ،ظ¢.
(4) أخرج البزّار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والسيوطي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس أنه لما نزلت ï´؟وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُï´¾ دعا رسول الله (ص) فاطمة فأعطاها فدك. انظر: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ظ©ظ،ظ،هـ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، (بيروت: دار الفكر، ظ،ظ¤ظ،ظ¤هـ)، ج ظ¥، ص ظ¢ظ§ظ£ ؛ المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين (ت ظ©ظ§ظ¥هـ)، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني وصفوة السقا، ط ظ¥، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ظ،ظ¤ظ*ظ،هـ)، ج ظ£، ص ظ§ظ¦ظ§.
(5) البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت ظ¢ظ¥ظ¦هـ)، الجامع المسند الصحيح (صحيح البخاري)، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، (بيروت: دار طوق النجاة، ظ،ظ¤ظ¢ظ¢هـ)، ج ظ¤، ص ظ¨ظ* (كتاب فرض الخمس)، وج ظ¥، ص ظ،ظ£ظ© (كتاب المغازي، باب غزوة خيبر).
(6) انظر: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم (ت ظ¢ظ§ظ¦هـ)، المعارف، تحقيق: ثروت عكاشة، ط ظ¢، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ظ،ظ©ظ©ظ¢م)، ص ظ،ظ©ظ¥ ؛ البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين (ت ظ¤ظ¥ظ¨هـ)، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط ظ£، (بيروت: دار الكتب العلمية، ظ،ظ¤ظ¢ظ¤هـ/ظ¢ظ*ظ*ظ£م)، ج ظ¦، ص ظ¤ظ©1 ؛ أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن علي (ت ظ§ظ£ظ¢هـ)، المختصر في أخبار البشر، (بيروت: دار المعرفة، د.ت.)، ج ظ،، ص ظ،ظ¦9.
(7) ابن أبي الحديد، عز الدين عبد الحميد المعتزلي (ت ظ¦ظ¥ظ¦هـ)، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (بيروت: دار إحياء الكتب العلمية, ظ،ظ£ظ§ظ¨هـ/ظ،ظ©ظ¥ظ©م)، ج ظ،، ص ظ¢ظ¦ظ©.
(8) انظر: الزنجاني، إسماعيل الأنصاري (ت ظ،ظ¤ظ£ظ*هـ)، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء، (قم: منشورات دليل ما، ظ،ظ¤ظ¢ظ¨هـ)، ج ظ،ظ¢، ص ظ£ظ¨ظ¢؛ الموسوي، محمد باقر، الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم، (قم: منشورات دليل ما، ظ،ظ¤ظ¢ظ©هـ)، ج ظ¦، ص ظ§ظ*.
(9) الشريف الرضي، أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي (ت ظ¤ظ*ظ¦هـ)، نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، (بيروت: دار الكتاب اللبناني، ظ،ظ£ظ¨ظ§هـ/ظ،ظ©ظ¦ظ§م)، ص ظ¤ظ،ظ§.
(10) الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (ت ظ£ظ¨ظ،هـ)، علل الشرائع، (النجف: منشورات المكتبة الحيدرية، ظ،ظ£ظ¨ظ¥هـ/ظ،ظ©ظ¦ظ¦م)، ج ظ،، ص ظ،ظ¥ظ¤.
(11) الصدر، فدك في التاريخ، ص ظ¦ظ£–ظ¦ظ©.
(12) الصدوق، علل الشرائع، ج ظ،، ص ظ،ظ¥ظ¥.
(13) الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص ظ¥ظ§.
(14) الصدوق، علل الشرائع، ج ظ،، ص ظ،ظ¥ظ¥.
(15) البخاري، صحيح البخاري، ج ظ¢، ص ظ،ظ¤ظ§؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت ظ¢ظ¦ظ،هـ)، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.)، ج ظ¢، ص ظ©ظ¨ظ¤.
(16) الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (ت ظ£ظ¢ظ©هـ)، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ط ظ¢، (طهران: دار الكتب الإسلامية، ظ،ظ£ظ¨ظ©هـ)، ج ظ¨، ص ظ¥ظ¨.
(17) الكليني، الكافي، ج ظ¨، ص ظ¥ظ©–ظ¦ظ¢.
(18) البخاري، صحيح البخاري، ج ظ£، ص ظ¤ظ¥.
(19) الكليني، الكافي، ج ظ¨، ص ظ¦ظ£.
(20) البخاري، صحيح البخاري، ج ظ¢، ص ظ،ظ¤ظ§ ؛ مسلم، صحيح مسلم، ج ظ¢، ص ظ©ظ¦ظ¨.
| |
|
|
|
|
|