ابن حبان: أبو جهل يقر بتحريم النبي للخمر والزنا قبل نزول الآية الأولى في تحريم الخمر
بتاريخ : اليوم الساعة : 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
ساد في المجتمع الجاهلي الزنا وشرب الخمر؛ بذريعة حِلِّهما وعدم وجود نصٍّ يحرمهما، مع أن جميع الأنبياء بلّغوا أقوامهم بحرمتهما! وكانت آثارهما الاقتصادية والسلوكية لا تخفى عليهم، فلا يأمنون على أنفسهم بعد شرب الخمر من الزنا حتى بمحارمهم، والإنجاب خارج إطار النكاح السوي، وضياع ثرواتهم.
ولم يُلغِ هذا الانفتاح وجود أشخاص حرّموا شرب الخمر على أنفسهم؛ لمعرفتهم بآثارها المشينة، وتمسّك بعضهم بتعاليم الحنيفية السمحة:
جاء في كتاب المفصل للدكتور جواد علي، ما يلي:"
وممن حرمها في الجاهلية، قيس بن عاصم المنقري، وعامر بن الظرب العدواني، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، والأسلوم بن اليامي من همدان، ومقيس بن عدي السهمي، والعباس بن مرداس السلمي، وسعيد بن ربيعة بن عبد شمس، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وأبوه أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزومي، وزيد بن عمر بن نفيل، وعامر بن جذيم الجمحي، وأبو ذر الغفاري، ويزيد بن جعونة الليثي، وأبو واقد الحارث بن عوف الكناني، وعمرو بن عَبَسَة، وقس بن ساعدة الإيادي، وعبيد بن الأبرص، وزهير بن أبي سُلمى المزني، والنابغتان الذبياني والجعدي، وحنظلة الراهب بن أبي عامر، وقبيصة بن إياس الطائي، وإياس بن قبيصة بن أبي غفر، وحاتم الطائي، و "سويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي .
وروي أن "عفيف بن معد يكرب الكندي"، عم الأشعث بن قيس، كان قد طلق الخمر وحرمها على نفسه وحرَّم معها القمار والزنا، والثلاثة من أهم وسائل التلهي والتمتع بالحياة عند الجاهليين. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرًا قبيحًا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء ثم نهب ماله ومال الخمار. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع وما قال فآلى لا يذوق الخمر. وبعض هؤلاء هم من الحنفاء، وبعضهم من السادة الأشراف الذين لم يتذوقوها، أو أنهم تعاطوها ثم رأوا ضررها فتركوها وحرموها على أنفسهم. ويظهر أن بعضهم قد حرمها على نفسه وعلى آله أيضًا، فذكر مثلا أن الوليد بن المغيرة ضرب فيها ابنه هشامًا على شربها، ولعل منهم من كان يستعمل الحد، وهو الجزاء الذي قرره الإسلام على شاربي الخمر.
وقد أشار أهل الأخبار إلى وقوع حوادث لأكثر من ذكرتهم دفعت بهم إلى تحريم الخمر على أنفسهم، كالذي ذكرته من أمر عبد الله بن جدعان، وكالذي أشار إليه أهل الأخبار من تحرش بعضهم بمحارمهم تحرشًا لا يفعله إنسان سوي، أو تخليطهم أثناء سكرهم وقيامهم بأعمال مضحكة صيرتهم سخرية للحاضرين، فلما صحوا وسمعوا بما فعلا ندموا على ما بدا منهم، وقرروا اجتنابها وتحريمها على أنفسهم منذ ذلك اليوم" (1).
أقول: وكان أعيان الصحابة يتناولون المسكر؛ مغتنمين فرصة اندماجهم في هذا المجتمع الذي انحدرت فيه الأخلاق.
وكان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قبل بعثته يبلّغ الناس بحرمتهما -الخمر والزنا-، مما دعا أبا جهل إلى أن يسارع إلى إعلان ثورته الغاضبة بوجهه؛ ليصدّ الناس عن تصديقه واتباعه:
"قال أبو حاتم:كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يدعو الخلق إلى الله وحده لا شريك له وكان أبو جهل يقول للناس:إنَه كذاب يحرم الخمر،ويحرم الزنى"(2).
أقول: والملفت في هذا النص أن أبا جهل صرّح بأن المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- يحرّم الزنا والخمر، مع أن أبا جهل توفي قبل نزول الآية الأولى في تحريم الخمر عند الإخوة السنة في غزو بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة!؛ مما يؤكد نص المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- على حرمة الزنا وشرب الخمر قبل بعثته، وأنهما لم يحلّا يومًا على الناس.
فلا نتعجب حينها إن سلّمت الأحجار عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- بالنبوة قبل بعثته:
خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الراوي : جابر بن سمرة | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم : 2277 التخريج : أخرجه أحمد (20828)، والدارمي (20)، والطبراني في ((المعجم الصغير)) (167) واللفظ لهم.
أقول : ولا يزال الصحابة، ومنهم عمر، بعد نزول الآية الأولى في تحريم الخمر يشربونها؛ لأن الآية عندهم غير محكمة، لا دلالة فيها على تحريمها! وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
واستمروا في شربها مع عمر، فنزلت الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43].
لكن، لم تكن أيضًا هذه الآية عندهم كافية لتحريم الخمر؛ فاستمر عمر وحزبه في شرب الخمر. وقبل غزوة أحد كانوا يشربونها؛ لعدم وجود آية صريحة عندهم تحرّم شربها!
حتى رووا أن صحابةً شربوها في صباح المعركة، وقُتلوا فيها والخمر في بطونهم؛ فقلّدوهم وسام الشهادة!:
خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الراوي : عمرو بن دينار | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 4044
| التخريج : أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه)) (2881) بلفظه ، وذكره ابن كثير في ((تفسيره)) (3/ 167) وعزاه للبزار ، والمزي في ((تحفة الأشراف)) (2543).
أقول : واستمر عمر وحزبه في شرب الخمر إلى نزول الآية الثالثة بعد معركة أحد، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
فقال عمر بعد نزولها: انتهينا، انتهينا!:
- لَمَّا نزَلَ تحريمُ الخمرِ، قال عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: اللَّهمَّ بيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا؛ فنزلَتِ الآيةُ التي في البقرةِ، فدُعِيَ عمرُ، فقُرِئَتْ عليه، فقال عمرُ: اللَّهمَّ بيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا؛ فنزلَتِ الآيةُ التي في البقرةِ؛ فدُعِيَ عمرُ، فقُرِئَتْ عليه، فقال عمرُ: اللَّهمَّ بيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا؛ فنزلَتِ الآيةُ التي في النساءِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]؛ فكان مُنادي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا أقامَ الصَّلاةَ نادَى: لا تقرَبوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارى، فدُعِيَ عمرُ، فقُرِئَتْ عليه، فقال: اللَّهمَّ بيِّنْ لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا؛ فنزلَتِ الآيةُ التي في المائدةِ، فدُعِيَ عمرُ، فقُرِئَتْ عليه، فلمَّا بلَغَ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]، قال عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: انتهَيْنا، انتهَيْنا.
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : عمر بن الخطاب | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي
الصفحة أو الرقم : 5555 التخريج : أخرجه النسائي (5540)، واللفظ له.
دمتم برعاية الله
كتبته الدكتورة : وهج الإيمان
_____________
(1) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج18 ، ص 262، 263، المكتبة الشاملة،[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].
(2) انظر: الثّقَات، الإمام الحافظ أبي حاتم محمد بن حبَان بن أحمد التَميميّ البسْتي( ت: 354)، وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين وتركي فرحان المصطفى، ج1 ص، 30 ،السيرة النبوية / ما قبل الهجرة،الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون.بيروت- لبنان.
التعديل الأخير تم بواسطة وهج الإيمان ; اليوم الساعة 08:10 PM.