كان اليوم نصف الشهر ... الواحد و الثلاثين ، و سلطان كالعادة جالس ينتظر (الجرعة) التالية ....
انتظر ... و انتظر ... لكن الجرعة تأخرت ....
و الرجّال صار ما له حال ...
تأخر الوقت بالليل ، و ما وصلتنا العلبة المنتظرة ....
أنا بصراحة كنت تعبان ، و قلت له :
- يالله أنا ماشي ، ما بتروح ؟
صار يناظر الساعة ... بقلق و ضيق صدر ... و تالي قام وراح بنفسه يتأكد من صندوق البريد ... و ما لقى شي ...
اتصلت عليه زوجته بعد شوي تسأل عنه و ليه متأخر ، و سمعته يقول لها إنه يبي يروح مشوار و يرد بعدين ...
رجعت أنا البيت ، و قلت لشوق أنه أخوها مو بعلى بعضه ... و أن القمر ما سلم عليه الليلة !
شوق كانت قلقة ، لكنها ما علقت على الموضوع ...
يوم ثاني ، كان أسوأ و أسوأ ....
أنا قلت يمكن البريد متأخر أو حصل خلل أو شيء ... و أكيد القمر بيوصله اليوم !
اللي صار ... أن اليوم عدى ، و عدت بعده أيام و أيام .... و رحل الهلال ... من غير سلام ...
سلطان كان مثل المجنون .... كل شوي يسأل عن البريد ... يدخل يفتح الصندوق ، و يطلع يفتحه ...
أعصابه صارت مشدودة و تركيزه متشتت ... و كل اللي بالعمل ، و أكيد بالبيت ، لاحظوا ....
كان ينتظر الشهر الجديد ... يمكن القمر نسى الشهر الماضي ، و جل ما لا يسهو ؟
لكن ... اللي صار ... أن البدر اكتمل ... و ما سلم عليه ...
في ذاك اليوم أنا كنت مو موجود بالمدينة ، طالع مشوار عمل ... و شوق و حدها مع الأطفال بالبيت ...
................................
كانت الساعة وحدة الليل ... و كنا نايمين ، و رن جرس الباب ....
صحيت من النوم مفزوعة ، من يمرنا هالساعة ؟؟؟
زوجي ياسر ما كان موجود ، و مستحيل يكون هو رد و ما معه مفاتيح البيت ....
الجرس ظل يقرع باصرار و أنا قمت من سريري متوجسه ... و رحت أبي أطل من النافذة أشوف من يكون ؟
في نفس اللحظة رن الهاتف ، و طلع رقم جوال أخوي بالكاشف ...
رفعت السماعة و كلي خوف ... وش صاير ... ؟ الله يستر ...
- ألو ..
- هلا شوق ، أنا عند الباب ...
- عند الباب ؟؟؟
- افتحي شوق ....
طليت من النافذة و قدرت أشوف سيارة أخوي ، و أنا أرد عليه ..
-طيب تفضل ...
ثواني ، و كان أخوي قدامي ....
مثله ... مثل شبح ... مثل مومياء ... و الله أني ما أنسى حالته ذي ... طاح قلبي يوم شفته حسبت صار شي بالأولاد أو منال ...
بلعت ريقي و همست بصوت مختفي ...
- خير ؟؟
تنهد أخوي ، قال يطمني ...
- بسم الله ... لا تخافي شوق ما صاير شي .... كلنا بخير ...
ما تطمن قلبي ... رديت أسأله :
-وش فيه ؟؟
فجأة ، ارتمى على الكنبة ... و سند ظهره عليها بتثاقل ... و رفع راسه و غمض عينه ....و مسح براحه إيده على جبينه و هو يتأوه بألم ....
أنا ظليت واقفة مثل التمثال ... مذعورة ... و لساني مو قادر يقول شي ....
فتح عينه و قال لي ... بدون أي مقدمات ....
-قمر رجعت الديرة ؟ وين هي ؟
انفجر قلبي بنبضة قوة كبيرة ، بعد انحباس .... و سرى دم حار متوهج بجسمي كله ... و ما قدرت ركبتي تشيلني ...
جيت و جلست جنبه اجمع شوية أنفاس ... و اهدىء نفسي من الفزعة ....
طالعت فيه ، و أنا صامته ... للحين لساني مشلول ... لكن نظراتي كانت تعبر بكل شرح و توضيح ....
أخوي ظل يناظرني و يقرأ تعابير وجهي ... طبعا ... الموقف صاير فوق مستوى التبرير ... و أنسب تعليق كان له ... هو شلال من الدموع فاضت من عينه قطّعت قلبي قبل تقطع طريقها على خدينه ....
مسكت راسه و قمت أمسح الدموع ... و مد إيده و مسك إيديني ... ونطق ... بالجملة الأخيرة اللي قدر ينطق بها لسانه ذيك ليلة ....
- أرجوك شوق ... شوفي لي وين هي ...؟؟؟
........................
" وتجدّد اللقاء "
أخيرا قرر أخوي ثامر أنه يتزوج ، بعد ما مرت سنة و نص من رجعنا البلد و أمي تلح عليه كل يوم !
و الاختيار كان على وحدة من معارفنا القدامى...
حفلة الخطوبة رح تكون عقب كم يوم ، و الوالدة ما خلت أحد بالديرة إلا و عزمته !
في الواقع انشغلت كثير أواخر الأيام .... و قررت آخذ أجازة كم يوم ...
ولدي بدر ... صار ما بين كل يومين ثلاثة يروح يتغذى أو يتعشى أو حتى يبات في بيت جدته ، أم بسام الله يرحمه ...
الولد صار يتعلق بعمينه ، ماجد و رائد كل يوم بعد يوم ... خصوصا بعد ما قرر ثامر أنه يرتبط ...
الولدين اثنيهم يدرسوا بالجامعة ، و فارق السن بينهم و بين بدر حول تسع سنين ... بس صاروا عنده أقرب أصحابه...
بصراحة ... أنا بديت أقلق ...
كبر الولد ... و صار شوي شوي يبتعد عني و يتعلق بأصحابه ... و بالأخص عمينه ...
أكيد هذا الشي الطبيعي ... لكن ... أنا اللي وضعي مو طبيعي ...ما أبي ولدي يبتعد عني ... هو كل اللي بقى لي من الدنيا ....
بُعد بدر عني أواخر الأيام ... يمكن أعطاني فرصة إني ... إني... أفكر في...سلطان..
ثلاث صديقات ... كانوا يوم من الأيام ... زميلات بالجامعة .... من أعز الناس على بعض ... ياما كنا مع
بعض ... نروح و نجي مع بعض ... ناكل و نشرب مع بعض ... نسولف و نضحك مع بعض ... نحزن و
نبكي مع بعض ...
الحين ... و بعد ما مر على تفرقنا حول 13 سنة ... ردينا اجتمعنا مع بعض في مكان واحد ....
كل وحدة تناظر الثانية ... بمنتهى البرود ... كأنها تتعرف عليها للمرة الأولى ...
اجتمعنا احنا الثلاث ... للمرة الأولى ... بعد كل ذاك العمر ....
الأيام تمر ... و أنا انتظر أي اتصال من قمر ... دون فايدة ...
و أخيرا اتصلت أنا بها أذكرها بوعد الزيارة ... و اعتذار بعد اعتذار ، لين في النهاية انحرجت و قررت تجيني في يوم معين ...
و جا اليوم الموعود .......
.......................
وصلت بيت شوق .... اللي ما جيته من سنين و سنين .... تغيرت فيه أشياء كثيرة
و عرفت أنهم يبنون لهم بيت ثاني ....
ما كنت أبي اجي و اسمح لذكريات الماضي أنها تظهر من جديد ...
بس إصرار شوق أحرجني و خلاني أجيها غصبا علي ، و الله يستر ... !
اللقاء كان طبيعي و عادي جدا طول الوقت ....
سألنا عن أخبار بعض ... أخبار البيت و الأطفال و العمل ...
و شفت أولادها ... ولدين اثنين ... ما عندها بنات ، و عرفت أن ( منال ) جابت بنت وحدة بعد ( نواف )
الأمور مرت طبيعية لين جيت أبي أتصل على السواق يجيني ، لما قالت لي فجأة ...
- قمر ودي أسألك سؤال ... إذا سمحت ...؟؟
- خير ؟؟؟
و من ملامح وجهها عرفت أن الموضوع ... ... ... ؟
- سبحة سلطان لسه عندك ...؟؟؟
تفاجأت ... و وقف قلبي ... حاصرتني بزاوية ما قدرت أهرب منها
وقفت و كملت اتصالي و كلمت السواق يجيني ... و حاولت اشغل نفسي بترتيب عبايتي علي ....
مسكت الشنطة ، و مدت شوق إيدها و مسكتها ... و طالعتني بنظرات كلها ألم ... كلها رجاء ... كلها
عتاب ....
- قمر الله يخليك ... سلطان أخوي تعبان ... لا تسوين فيه كذا ....
و لا تكلمت بكلمة وحدة ... و شوق ... واصلت كلامها بنبرة حزينة ...
- أنتِ أنقذتِ حياته في يوم من الأيام ... أرجوك ... لا تدمريها ...
-مع السلامة
قلتها ، و طلعت .... أنتظر السواق عند الباب ...
ما كنت أبي شوق تشوف دموعي اللي تفجرت بعيني ...
اللي تدمرت هي حياتي أنا ... مو حياتك أنت يا سلطان ...
الفصوص كانت توصل له ... و تأثر بها أكيد ...
سلطان أنت تألمت ؟؟
خلاص .... ما عاد أظهر بحياتك مرة ثانية ... و بقية الفصوص ... باتخلص منها و انتهينا....
.................... ....
النهاية ذي ما أقنعت أخوي سلطان ، لكنها على الأقل ريحت باله بعد حول سنتين من العذاب ... مع ذيك
الفصوص ...الحين صارت الشهور تمر ، و لا يعني له يوم النص منها شيء ... و لا عاد فيه قمر ... يسلم عليه ....
القصة بكذا وصلت لـ (((( النهاية )))) أخيرا ، و الحمد لله ............
الشي الجديد اللي شغل بال أخوي و بالنا كلنا هو هبة ...
صحتها أواخر الأيام صارت في تدهور ... دوم رافضة الأكل ، دوم خملانة ... دوم تعبانة أو مريضة ...
كأنها عين و صابتها ، بعد كل خفة الدم و المرح و الحيوية اللي كانت عليها ...
كنت بالمستشفى ، لما وصلتني مكالمة من ( منال ) تقول لي أنها موجودة بقسم الطوارىء و معها هبه ،
و الطبيب يقول عندها جفاف و محتاجة تنويم كم يوم ...
جيت بنفسي للطوارىء و شفت بنت أخوي ، كانت بالمرة تعبانة ، تقول أمها صار لها يومين ما تاكل شي و عندها (اسهال و تقيؤ) ... أخوي ما كان موجود ، كان بالعمل ...
تنومت هبه مع أمها بالمستشفى و بدت حالتها تتحسن شوي شوي ...
أخوي طبعا فزع لما عرف أنها بالمستشفى و جا مثل المجنون ... بس الحمد لله حالتها صارت أفضل ... نزلة معوية و تعدي على خير إن شاء الله ....
بعد يومين طلعت من المستشفى بصحة طيبة ... و استعادت نشاطها كم يوم ، قبل ما ترجع تتدهور مرة ثانية أسوأ من اللي قبلها ... و تتنوم من جديد ...
أخوي عاد ما كان له حال .... ما كان يقدر تصيبها ذرة غبار ... و كل شوي يقول لي توصي بها و وصي عيلها الأطباء ... و هم مو مقصرين ...
بعد ما استقرت حالتها ... شاف الطبيب أنه يسوي لها فحوصات أشمل ... اللي خلاني حاطة إيدي على قلبي ... و كاتمة أنفاسي ... لين صرخت بكل قوة ... صرخة هزّت جدران المستشفى ... و كسّرت النوافذ ... و زلزلت الأطوابق ... لما قال لي عقبها بيوم ...
- (سرطان الدم ..)..
طحت ... و ما دريت بحالي ...
مستحيل ... مستحيل يكون ... صحيح ... فيه خطأ ... هبة بنت أخوي ... البنت الوحيدة ... دلوعة العيلة ... مهجة قلوبنا كلنا ... عندها ... سرطان في الدم ....؟؟؟ !!!
مشاويره مع عمينه ما تخلص ... أحس أنهم أبعدوه عني ... بس ما فيني قوة أعلـّق الحين ... قلت باستسلام ...
- طيب حبيبي ... أباروح أرتاح ....
وقبـّـلت جبينه ... و تركته منهمك ببني العشة ...
وصلت داري منهارة تماما ... رميت بجسمي على السرير .... و تأوهت بمرارة ...
يوم القدر ... بعد كل هالعمر ... كتب أنه يجمعني بسلطان ... جمعني به ... في أسوأ الحالات ... و أسوأ الظروف ........
بكيت بكاء ما بكيت مثله من مدة ...
طلعت الفصوص الثلاث اللي بقت لي من سبحة سلطان ....و شديت عليها بين يديني ... و قربتها
عند قلبي ... و صحت ....
سلطان ...
سلطان ...
يا رب يكون حلم ...
يا رب يكون كابوس ...
يا رب ما يكون حقيقة ....
شوي ... و اندق الباب ، و جاني صوت ولدي بدر يناديني ...
بسرعة مسحت دموعي و جيت و فتحت الباب ...
-هلا حبيبي ؟
- يمه بس بغيت منك ...
و سكت ... و صار يطالع فيني بقلق ...
- نعم بدر وش بغيت ؟
- يمه أنت بخير ؟
- بخير ... بس قل لي وش بغيت ...؟
طبعا ألح علي ، و قلت له أن وحدة من صاحباتي بنت أخوها مرضت و تتعالج عندي ... و أنا متأثرة
عشانها ...
- إذا بتتأثرين يمه كذا لا تعالجي ناس تعرفيهم !
هو قالها جملة عابرة ، و أنا أخذتها بجد ... هذا اللي لازم يصير ... أبي أحول الحالة على الدكتور هيثم
أول ما يرد من أجازته... بس الحين ... ما لي إلا أني أبدأ العلاج ... قبل فوات الأوان.........
.................
" قريب من العين .. والقلب !! "
- تقولين ... قمر ؟؟؟؟
صاحت منال بدهشة و استنكار ... لما قلت لها أن الطبيبة اللي كانت هنا ... هي قمر ...
و صارت تنقل نظرها بيني و بين سلطان .... الجالس باستسلام على طرف السرير ... و بحضنه
هبه نايمة بكل براءة ... و عينه بس و بس مركزة على بنته ...
- لا ! مستحيل ....
لما قالت كذا ، رفع سلطان بصره و طالع بها ...
و ردت تأكد ...
- مستحيل أخلي بنتي تتعالج عندها ... شوف لنا مستشفى ثاني ...
سلطان ... منتهي و ما له حال ... بس شال البنت و حطها بسريرها ... و قام يبي يطلع ...
- وين ؟؟؟
- بـ أرد البيت باريح شوي ...
- و تخلينا هنا ؟
- منال ... رجاءا ... اللي فيني يكفي ....
قالها ... و طلع من الغرفة ...
و جلست مدة مع منال ...أحاول أهدي فيها ... هدأت في النهاية ... بس ما اقتنعت ...
... و كنت ادري أنها بكرة بالكثير ... بترجع للموضوع مرة ثانية ....
صحيح احنا انحطينا بموقف ما ننحسد عليه ...
الأقدار لعبت دورها بدهاء ...
و كلمة ((( النهاية ))) في القصة و اللي ظنيت أنها انطوت خلاص ... ما شكلنا رح نقولها قريب .....
..............................
رديت من مشاويري مع عمي قرب الساعة عشر الليل ، كنت متأكد أن أمي رح تعاتبني لأني طولت الغيبة ،و استغربت لأنها ما اتصلت علي كالعادة تتطمن ...؟
المهم ، أول ما دخلت البيت شفت خالي ثامر جالس يتكلم بالتلفون بالإنجليزي ! أكيد هذه خطيبته ! صار كله مشغول معها !
رحت أدور أمي ما لقيتها سألت عنها قالوا لي بدارها ... و صعدت الدور الثاني و جيت عند باب غرفتها ...
كان النور ظاهر من تحت الباب ، دقيته و ناديتها ، و ما جاني رد ...
دقيت مرة ثانية و ما سمعتني ، فتحته شوي شوي ...
لقيت أمي نايمة على سريرها ...
مو بالعادة أمي تنام هالوقت ، و لا بالعادة تنام قبل ما تتطمن علي ، بس شكلها غفت دون ما تدري ...
قربت منها عشان أنا متعود لازم أقبل راسها كل ليلة قبل النوم ، من يوم كنت صغير ... و فيه شي
غريب لفت انتباهي ... !
كانت إيدها اليسرى ممدودة و براحتها ثلاث ( خرزات ) فضية .. !
استغربت ... إش هذه ؟ ... بس شلتهم من إيدها دون ما تحس .. و أخذتهم معي ... قبلتها و طلعت من الغرفة ....
بعد ما ( انسدحت ) على سريري نمت بسرعة لأني كنت تعبان شوي ...
و ما لحقت أشبع نوم ... صحيت على صوت خالي ثامر ينبهني عشان صلاة الفجر ...
بسرعة جا وقت الصلاة ! يمكن خالي غلطان بالوقت ؟؟
فتحت عيني و طالعت بالساعة و كانت أربع الفجر ...
- يالله بدر انتظرك بالسيارة لا تتأخر ...
ما مداني أرفع جسمي أبي أقوم إلا و وصلنا صوت صرخة قوية ....
فزعت ... و هبيت جالس ... و جت صرخة ثانية ...
- هذه أمي ... ! ! !
قفزت من السرير ... ركضنا أنا و خالي بسرعة إلى غرفة أمي و دخلنا ...و شفناها تصرخ في ذعر
و فزع مهول ...
ركضنا لها و حضناها ... و صرنا نهدّي فيها و هي ترتجف ... و تردد ...
- ( سلطان لا تموت .... سلطان تنفس .... سلطان تماسك .... )
خالي صار يقرأ آيات قرآن يهدّي فيها و أنا أبكي مفزوع عليها ...
أمي كانت تطالع فينا و لا كأنها تعرفنا ... ما كانت بوعيها أصلا ... العرق كان يتصبب منها بغزارة ... و أشوفها تتنفس تنفس مو طبيعي ....
ظلت أمي على ذي الحالة دقايق ... و بدت تهدا شوي شوي ... رفعت راسها تطالع خالي ثامر و تقول ...
و يكرر آيات قرآنية ... لين هدأت أمي ... و طالعت فيني ... و شكلها توها تنتبه لي أو تعرفني ...
... نادتني و خذتني بحضنها و أنا أبكي و هي تبكي و خالي يهدي فينا ...
-خلاص بدر ... خلها تنام ...
رفعت بصري له معترض ...
- بـ أظل معها ...
- لا بدر ، خلنا نروح المسجد ... ما فيها شي راحت النوبة ...
تركت أمي نايمة على السرير و الوسايد .... مغمضة عينها و حالتها زينة ... و يوم جينا بنطلع من الغرفة
سمعناها تقول :
- ( ما أبي أعالج بنته .... )
الجملة الأخيرة اللي سمعناها ، و طلعنا ....
كانت الدموع بعدها بعيني ، و قال لي خالي باستنكار :
- إش بلاك ؟ رجال و تبكي ؟
- ما شفت كيف كانت ؟
- ما هي أول مرة ... ما تعودت للحين ؟؟
- بس ما صار لها من جينا البلد ...
من رجعنا البلد ... هذه أول مرة تجي أمي نوبة الذعر اللي كانت تجيها من فترة لفترة و احنا برى ...
خالي يقول أن هذا صار لها بعد ما شافت أبوي و ناس ثانيين يغرقوا في البحر ... قبل ما أنولد أنا ....
و كان دايما يحذرني أني أذكر شي عن الموضوع قدامها و إلا بتمرض و تزيد حالتها أكثر ....
صحيت من النوم و لقيت نفسي متأخرة شوي ... و حسيت روحي تعبانة و ما لي خلق ... قلت أبي أتصل بالمستشفى و آخذه يوم إجازة ... بس ... بسرعة تذكرت المريض الجديد ... و قفزت من سريري بسرعة ...
... عندي اليوم شيء مهم لازم أسويه ...
و أنا عند المراية أسرح شعري تذكرت فصوص السبحة الثلاث ...
كانو بإيدي لما نمت ..؟؟؟
و قمت أدور عليهم في السرير و حوله و بكل مكان و لا لقيتهم ... وين اختفوا ؟
بس لأن الوقت متأخر ، تجهزت على عجل و طلعت من الغرفة و نزلت الدور الأرضي ...
كان ولدي بدر جالس هناك و أول ما شافني جا يصبح علي و يحضني ...
- هلا بدري ... ها حبيبي متى رديت البارح ؟
ابتسم بخجل و اعترف أنه جا متأخر شوي ، و طالع فيني كأنه يبي يقول شي ... بس أنا كنت مستعجلة
سلمت عليه و طلعت ....
اللحظة اللي طول أمس و أنا قاعدة أعد لها ألف حساب جت أخيرا ....
كنت بالمكتب ، أنتظر والد المريضة يجي عشان أشرح له عن المرض و العلاج ... و تفاصيل ثانية ...
بالنسبة لي كطبيبة ، صرت متعودة على هذه الأمور ، لكن ... .... .... ؟
جت الممرضة ... مع سلطان ....
حاولت بكل الطرق ... إني أنسى أني كنت أعرف هذا الشخص يوم من الأيام و اتصرف معه كأي والد
مريضة أعالجها ...
صعب ... و الله صعب ... !
إنتوا حاسين فيني ؟؟
بمجرد وصلني صوته أول ما دخل و سلم ... انتفضت أوصالي كلها ...
هذا هو صوت سلطان ... ما تغير عن أول ...
جهور و رنان ...
كأنه لا وصل الطبلة يدغدغها !
و إذا جا للدماغ يخدره !
مع أنه قوي ، بس لا سمعته تتملكني رغبة غريبة في النوم !
رفعت عيني بنظرة خاطفة صوب عينه و رديت السلام ...
يا ذيك عيون ... يا ذيك نظرات ...
تاخذني فوق في السماء ... أحسها ... أحسها بحيرة ... و ودي أسبح فيها !
أي جنون ... ؟؟؟
إنتوا فاهميني ؟؟
أخذت حول أربعين دقيقة و أنا أتكلم معه و أشرح له بعض التفاصيل و أجاوب على أسئلته ... وجود الممرضة يمكن عطاني شوية دعم ...
كنت أبي أعرف ... هل هو راضي أني أنا ... أعالج بنته ؟ .. إش قرر ...؟؟؟
سألت في النهاية :
- نبتدي العلاج اليوم ؟
- توكلنا على الله ....
اللي كان يكلمني كان أب ... متعلق بأمل ... أي أمل ... لعلاج بنته الوحيدة... مهما يكون ....
رحنا لغرفة الصغيرة ... كانت نايمة .. و أمها ( منال ) جالسة جنبها ...
و الطريقة اللي كلمتني بها اليوم ... تختلف عن الأمس ... !
أمس ... كان كلامها كله رجاء ...
و اليوم ، كله اعتراض ... !
أنا ... تقبلت كل كلامها في كلا الحالتين ... و مصرة أني أعاملها كما تعامل أي طبيبة أم وحدة من
المريضات ...و أنسى أنها كانت .. و لا تزال ... أكثر امرأة كرهتها بحياتي ...
اللي سرقت مني – و لو بدون قصد - ... حبيب عمري الوحيد ...
في نفس اليوم ، بعد كم ساعة جتني شوق المكتب ... و تناقشنا مرة ثانية عن المريضة و العلاج ...
شوق ... كانت .. و لو بشكل غير مباشر ... تبي توصل لي رسالة محتواها :
( لا تخلي الأمور الشخصية تأثر على تصرفك كطبيبة ... )
أنا ... قلت بشكل مباشر ...
-تطمني يا شوق ... أنا في المستشفى طبيبة و بس ... و أتعامل فقط و فقط على هذا الأساس ....
و على هذا الأساس ... بدأنا العلاج المكثف ... و اللي يتطلب شهور ... و شهور ...
في نفس اليوم ... بالليل ... جاني ولدي بدر ... و عطاني الفصوص الثلاث اللي قلبت الغرفة فوق تحت أدور عليها...
- من وين جبتها ...؟؟؟
- آسف يمه شفتها بايدك و أنت نايمه و شلتها ...
أخذت الفصوص .. و رجعتهم بالصندوق ... و ولدي بدر يراقبني ...
- يمه ...
- نعم ؟
- إش هذه ؟
ما رديت عليه في البداية ... ، تالي قلت له ...
- تذكار من شخص عزيز ...
- من هو ؟
ما جاوبت ...
- سلطان ..... ؟ ؟
انتفضت ... و التفت له فجأة ... و أنا مذهولة ... و طالعت فيه ... أبي استشف من نظراته أي شي
يكون عارفنه أو فاهمنه ...
- أي ... سلطان ... ؟
- ما أدري .... أنت قولي لي ؟
- بدر ... بدر من وين جبت الاسم ؟؟؟
-... أنت دايما ترددينه لما ... .... ....
- خلاص بدر ... ارجع دارك ...
- أنا آسف ....
- تصبح على خير ....
الولد كبر ... و صار يفهم ... الكوابيس اللي طاردتني طول ها لعمر صارت توحي له بشي .... يا رب ...
... أبيه بس ... يتجاهل ها الموضوع ...
...........................
ظلت بنت أخوي هبه بالمستشفى فترة طويلة ... بين تحسن و انتكاس ... و احنا ندري أن العلاج يطول
و يبهذل ... و ما لنا إلا الصبر ...
أخوي سلطان أخذ أجازة طويلة ... تفرغ فيها لعلاج بنته ... اللي ما كان شاغل باله شي غيرها ...
أما قمر ... فما أظنها صارت تعني له شي ... لأنه انشغل باللي أهم منها ...
علاقتي بقمر بدت تنتعش من جديد ... و بدينا نتقرب من بعضنا اكثر و أكثر ...
كصديقات و كزميلات عمل ... هذا الشي ريحني ....
منال أخيرا تأقلمت مع الوضع ... و صارت تتعامل مع قمر على و كأنها طبيبة تشوفها لأول مرة ...
... كل شي سار بشكل طبيعي ...و مألوف ....
....................
فاجأتني قمر لما قالت لي قبل فترة أنها صارت تعالج بنت سلطانوه ، بمحض الصدفة ... !
أنا دورت على التعليق المناسب بس ما لقيت ...
ما قدرت أتخيل كيف الوضع ... بس الظاهر و الله أعلم أن الأمور تمشي بشكل معقول ... و الله يستر من الجاي ... !
صحيح الدنيا دوارة ...
ودي التقي بسلطانوه ... الزفت ... و أقول له :
- ( شفت يا سلطان ؟ هذه البنت اللي حطمت قلبها يوم من الأيام ... اللي ترملت عشان تنقذ حياتك أنت ...
هذه هي الحين تعالج لك بنتك بعد ...! )
لو أنا مكانها كان رفضت استقبل الحالة و خله يروح يدور على طبيب غيري ...
ما ناقص إلا إني أعالج بنت الشخص اللي حطم لي قلبي ! الله يحطم قلبه و ينتقم منه يا رب !
خاطري مرة ... مرة وحدة بس ... أشوفه و أتشمت فيه ... أبرد حرتي فيه من ذيك السنين ..
عقب كل اللي سواه بصديقتي قمر ... ...
من زمان ... و أنا أتمنى ذي الأمنية الشريرة ...
و القدر ... أتاح لي الفرصة ... و حقق لي إياها ... من أوسع الأبواب !
....................
كل يوم ... أشوف سلطان ...
كل يوم أتكلم معه ...
كل يوم أسلم عليه ...
و اليوم ... آخر يوم من دورة العلاج المبدئية ... و الصغيرة رح تطلع للبيت أخيرا ... كم أسبوع ، و ترجع لمتابعة العلاج بعدين ...