شيعي فاطمي
|
رقم العضوية : 23528
|
الإنتساب : Oct 2008
|
المشاركات : 4,921
|
بمعدل : 0.84 يوميا
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
نووورا انا
المنتدى :
منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
بتاريخ : 29-10-2010 الساعة : 01:31 AM
اللهم صل على محمد وآل محمد
النص _ إذن _ يدل على انتظار مصلح قوي, قادر على تسيير قوى الخير للبشر, وأهم ما فيه, هو الأبدية والشمول لكل الأرض: (لتمتليء الأرض كلها, جميع الأمم) والنهاية الحاسمة, وإغداق الخيرات العامة على عموم الناس, وهذه خصوصيات لا تنطبق على داود, ولا على ابنه سليمان عليهما السلام, كما يرغبون في الإيحاء به هذه الأيام, باعتبار ذكر: (الملك). والنص لا ينطبق على يحيى, ولا على عيسى عليهما السلام, ولا على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم, فالنص واضح بإشارته إلى ملك يُخضع الأرض جميعها وتطيعه الطبيعة بنِعم فائضة. وهذا لم يحدث لحد الآن, ولأن عملية الإصلاح المقصودة تكون بها إنهاء كل الجدل الديني والسعي لتطبيق دين الله في الأرض. وهذا _ أيضاً _ لم يحدث بهذه الصورة. أي توحيد القلوب, مع توحيد الله, وتوحيد القوة, وتوحيد الإرادة.
وقد قلنا: إن المجتمع اليهودي الذي عاصر المسيح عليه السلام, يمثل المجتمع اليهودي المتمسك بالمباديء اليهودية _ بشكل واضح, فالنصوص المسيحية _ التي صدرت ممن واجه المسيح عليه السلام بحسب العهد الجديد _ تمثل رأي الشارع اليهودي في وقته. ولهذا فإن النصوص التي تفيد انتظار اليهود لـ (مسيّا) المصلح, في وقت المسيح, تمثل اعتقاد الشعب اليهودي الذي آمن بالمسيح أنه (مسيّا) نفسه, وهذا الترقب اليهودي يعتبر دليلاً يهودياً _ نصرانياً, مشتركاً, على وجود النصوص المشتركة للبشارة بالمنقذ (المسيّا) وليس دليلاً نصرانياً صرفاً. وقد ورد في أماكن متعددة, منها ما في يوحنا, الإصحاح الأوّل:
(40 _ كان اندراوس أخو سمعان بطرس واحداً من الاثنين اللذين سمعا يوحنا, وتبعاه. 41 _ هذا وجد أوّلاً أخاه سمعان, فقال له: قد وجدنا مسيّا, الذي تفسيره المسيح).
وقد ورد أن المسيح قال: أنا هو (مسيّا). بناءً على تفسير: (المسيّا) بالمسيح! كما ورد على لسان السائلة نفسها, لنقرأ في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع:
(4/ 25: قالت له المرأة: أنا أعلم أن (مسيّا) الذي يقال له المسيح, يأتي. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء. 4/ 26: قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو. 4/ 27: وعند ذلك, جاء تلاميذه, وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة, ولكن لم يقل أحد: ماذا تطلب, أو لماذا تتكلم معها. 4/ 28: فتركت المرأة جرّتها, ومضت إلى المدينة, وقالت للناس 4/ 29: هلموا, أنظروا إنساناً قال لي: كل ما فعلت. ألعلَّ هذا هو المسيح؟). انتهى النص.
والنص, يقول بصراحة: إن المسيح, قال للمرأة: إنني أنا هو (المسيح), وهي قد فسرته باللفظ بأنه (مسيّا) وهذا يعني أنه قال: إنه (مسيّا) في رأيها إما اجتهاداً منها أو للتطابق في نظرها بين (المسيح) و(مسيّا) كما يظهر من النص، ولكن يلاحظ في آخر النص أنها لم تكن متأكدة من كونه المسيح (ألعلَّ هذا هو المسيح؟) لأنه أخبرها بالمغيبات(2).
هذا النص يدل بوضوح على انتظار (مسيّا) بغض النظر عن التشابك والاختلاف في النقل, أو في فهم النص. ولكن بهذا الشكل من النص يصبح تطبيقه على المسيح غير واضح, حسب النص, لسببين:
الأوّل: إن شهادة عيسى على أنه المسيح (مسيّا) هو من باب توقف الشيء على نفسه, فيحتاج إلى دعم خارجي, وهذا لا يتحقق بالمقولة المسيحية, وإنما يتحقق بالمقولة الإسلاميّة التي تقول: إن المسيح نفسه دليل على رسالته, باعتبار كونه معجزة في ولادته وليس بالبشارة به, المصدقة بالمعجزة المتأخرة, أو بفعل الأعاجيب. نعم, لا مانع من البشارة به في النصوص القديمة, ولكن يجب أن تكون هذه البشارة صريحة, لم تنلها يد التحريف, ولا تدخّل, ولا تأثير لأحد من البشر فيها. فالمسيح نصرانياً لا دليل عليه في البداية إلاّ بدعواه هو فقط، ولم تكن المعجزات دليلاً عليه وإنما أتت ككرامات له حسب الفهم النصراني. وهذا خلل منطقي. بينما المسلمون يرون خصوصية للسيد المسيح في هذه الناحية، وهي أن البرهان أقيم عليه قبل الدعوى بخلاف الكثير من الأنبياء الذين احتاجوا إلى المعجز للبرهان على صحة الادعاء.
والثاني: عدم صراحة القول, بأنه: (مسيّا) نفسه؛ فلعلَّه قال: أنا المسيح وليس ليقرها على فهمها أن مسيّا هو المسيح. للتعارض الحاصل بين كون (مسيّا) هو (البركليت) نفسه وأنه يقيم الدينونة على كل الأرض, كما قدمنا في النصوص, وبين كونه عليه السلام يبشر بمجيء (البركليت) بعده, فهذا يعقّد الصورة في هذا النص الغامض _ تماماً. ولكنه لا ينفي _ أبداً _ كونهم ينتظرون (مسيّا) وإن (مسيّا) مقدس عند الشعب اليهودي الذي قابل وحاور المسيح. كما هو مقدس عند المسيح نفسه.
ومن استدلال المسيحيين على صحة إيمانهم بالمسيح باعتباره (مسيّا) المنتظر نفسه _ حسب اشعياء _. يتبين أن العملية _ في حقيقتها _ عملية قراءة نص غامض يبشر بمجيء (مسيّا) لإنقاذ الناس من العذاب. وفي أحد نصوص اشعياء عن (مسيّا) يقول: إنه يتحمّل كل أنواع العذاب من أجل إنقاذ الأرض والبشر. وبما أن الفكر المسيحي الكنسي يقول: إن الصلب, هو كذلك, ألم وفداء من أجل الإنقاذ, فالبشارة هذه _ إذن _ صادقة بالمسيح _ تماماً. كما يفهمون.
والمشكلة في هذا الاستدلال, هي:
أوّلاً: لا يصح حصر مسألة العذاب والتعذيب بالمسيح عليه السلام, فقد تعذّب الكثير من الأنبياء والأولياء بعد أشعياء النبي, وبشتى أنواع العذاب النفسي والجسدي, ولو أردنا تعداد الآلام الجسدية والنفسية, والروحية للأنبياء لامتلأت بها الكتب, وكل عذاب لحق بنبي إنما هو كفارة عن أمّته وشفاعة لمحبيه وأتباعه، فلا انحصار _ أيضاً _ في هذه القضية. ولهذا يعتبر هذا الدليل مما لا ينضبط في فردٍ محدد, إلاّ بالنص عليه؛ لأنه صفة قابلة للتطبيق على كثيرين, وتحتاج إلى نص واضح. ونص اشعياء هو صفة وليس تعييناً.
وثانياً: هناك مشكلة في تشكيل صورة (مسيّا) فإن صورته المرسومة, هي لشخص له قدرة بسط كل الحق, على كل الأرض, لآخر الزمن. ويجب أن يقع فعلاً, وليس خيالاً. وهذا لم يقع _ قطعاً _ لكل الأنبياء, بما فيهم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. ومن هنا لا نستطيع تطبيقه على نبيٍ, أو ولي, مر على الكرة الأرضية حتّى الآن. فالوعد باق, وهو لا ينطبق إلاّ على صفة المهدي المنتظر عليه السلام الذي يملؤها عدلاً بعد ما ملئت جوراً, بوضوح النصوص الإسلاميّة. وهذا وعد يتطابق مع جميع الديانات.
وأخيراً, هناك ملاحظة على مجمل النظرية التي يريد أن يستدل بها القس عبد المسيح أبو الخير في كتابه: (هل صلب المسيح حقيقة أم شُبّه لهم؟). هذه الملاحظة هي: أن الدليل من أشعياء, لم يتبيّن صدقه في حياة المسيح كلها, إلاّ بعد وقوع الصلب المزعوم. (لأنه صفة عامة, لم تكن تصلح للتطبيق إلاّ بعد الآلام, كما يشرح القس عبد المسيح). وهذا تأخر في الدليل عن وقت الحاجة. وهو قبيح إذا استتبع العقاب على المخالف؛ لأن الحاجة هي قطع الشكّ باليقين في كون المسيح هو (مسيّا) الموعود قبل صلبه؛ ليؤمن به من تعرض لهم بالدعوة. ليكون تام الحجة بالشكل الذي يطرحونه، فلماذا تأخر إلى ما بعد صلبه؟ ليمكن تطبيق النص عليه بعد أن كفروا به. هذا من ناحية عقلية منطقية فيه مشكلة, لسنا بصدد بحثها.
هو _ إذن _ يريد أن يخبرنا: أن اليهود كانوا ولا زالوا ينتظرون (المسيّا) حتّى بعد ولادة المسيح _ أيضاً. والكنيسة ترى أنه ينطبق على المسيح _ فقط. وما نريده _ نحن _ هو إثبات انتظار اليهود للمصلح العالمي, وهذه مقتطفات مما كتبه القس عـبد المسيح بسيط أبو الخير(3):
(كما أجمع علماء اليهود, عبر تاريخهم السابق للمسيح, واللاحق له, أن هذا الإصحاح نبوّة عن (المسيّا) المنتظر, وقد لخّص القمص روفائيل البرموسي, في كتابه: (أمّا إسرائيل فلا يعرف: 119 _ 128) خلاصة رأي علماء اليهود, كالآتي: (كل الرابيّين _ ما عدا راشي, الذي رأى أن العبد المتألّم هو شعب إسرائيل _ يرون أن هذه المقاطع من سفر أشعياء تصف آلام (المسيّا) كشخص فرديّ). ويُضيف أنَّه جاء في ترجوم يوناثان, الذي يعود للقرن الأوّل: (هوذا عبدي المسيّا يعقل) كما أن الرابي دون أتسحاق (حوالي 1500م) يقر ويقول بدون تحفظ: (إن غالبية الرابيّين, في ميدراشيهم, يقرّون أن النبوّة تشير إلى المسيّا). وقال الرابي سيمون ابن يوخّيا, من القرن الثاني الميلادي: (في جنّة عدن يوجد مكان يسمى: (مكان أبناء الأوجاع والآلام). في هذا المكان سيدخل المسيّا, ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل, وكلها ستوضع عليه, وبالتالي يأخذها لنفسه, عوضاً عن شعب إسرائيل, لا يستطيع أحد أن يخلّص إسرائيل من تأديباته؛ لعصيانهم الناموس, إلاّ هو, المسيّا, وهذا هو الذي كتب عنه: (لكن أحزاننا, حملها, وأوجاعنا تحملها). وينقل عن تلمود بابل: (إن المتألم هو (المسيّا) ما هو اسمه؟ إنَّه عبد يهوه المتألّم). كما قيل عنه: (لكن أحزاننا حملها, وأوجاعنا تحملها). أمّا مدراش كوهين, حينما يشرح : (أشعياء: 53/ 5) يضع الكلمات التالية, على فمّ إيليّا النبي, حيث يقول إيليّا لـ (المسيّا): (أنت أبرّ من أن تتألّم وتُجرح. كيف كلّي القدرة يُعاقب هكذا, من أجل خطايا إسرائيل, ويُكتب عنك: (مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا). إلى أن يحين الوقت حيث تأتي نهاية الأمم). ويقول رابي يافيث ابن عالي: (بالنسبة لرأيي فأنا أنحاز إلي رابي بنيامين النهاوندي في تفسيره لهذا الإصحاح, كونه يشير إلى (المسيّا). فالنبي إشعياء يريد أن يُفهمنا شيئَين: في المرحلة الأولى: إن (المسيّا) هو الوحيد الذي سيصل إلي أعلى درجة من الكرامة, والمجد, لكن بعد محن طويلة ومريرة, ثانياً: هذه المحن, ستُوضع عليه كعلامة, لدرجة لو وجد نفسه تحت نير هذه المحن, وظل مطيعاً وتقياً في تصرفاته, وأفعاله, يُعرف أنَّه هو المختار, والتعبير: (عبدي) يعود إلى (المسيّا)). وفي كتاب: (RabbahBereshith). يقول مؤلّفه رابي موشى هادرشان: (إن القدّوس, أعطى فرصة لـ (المسيّا) أن يُخلّص النفوس, ولكن بضربات, وتأديبات عديدة, يقول: على الفور قَبِلَ (المسيّا) تأديبات وضربات المحبّة, كما هو مكتوب: (ظُلم, أما هو فتذلل ولم يفتح فاه)(4) عندما أخطأ شعب إسرائيل طلب (المسيّا) لهم الرحمة والمغفرة, كما هو مكتوب: (وبحبره شفينا). وقوله: (وهو حمل خطية كثيرين, وشفع في المذنبين).
وهكذا, يؤكّد لنا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد, من خلال نبوّات أنبياء العهد القديم, وتطبيق المسيح لها على نفسه, وتأكيد تلاميذه ورسله بعد ذلك(5)، على أن اليهود عندما صلبوا المسيح فقد تمّموا كل ما سبق, وتنبّأ به عنه جميع الأنبياء, أنَّه لا بدَّ: (أن ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَألَّمُ كَثِيراً وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلُ وَفِي الْيَوْم الثَّالِثِ يَقُومُ) (لو: 9/ 22))(6).
فهذا النص, الذي عرضه القس عبد المسيح أبو الخير يوفر مساحة للتأمل والفهم العميق لمدى مشكلة انتظار المصلح, المجهول الهوية, والمختلف في هويته بدون الرجوع إلى نصوص صريحة من الباري عز وجل, بخلاف النظرية الإمامية التي تؤكد وجود النص بالاسم والصفة.
ملاحظة: بحسب معرفتي بالعقل السطحي الهلامي الذي يسيطر على تفكير المحاوريين المتمذهبين, فإنني أتوقع أن يقول قائل منهم: أتعتبر هذه نصوصاً على المهدي عليه السلام؟ فأقول: إنني اعتبرتها نصوصاً على المصلح, بكل وضوح, وأوجدت أرضية للتفكير في مؤدى النصوص وجذور الكلمات, بما يؤدّي إلى صورة واضحة, نتيجة تقاطع البيانات بالضرورة. وكلٌ يأخذ بحسب موقفه مع الله جل جلاله. ولكن ليخبرني السائل: أيسمي هذه النصوص نصاً على عيسى أو يحيى أو أيّ نبي آخر يريدونه, بنفس مقياس السائل؟ مع أن النص قابل للتطبيق على المهدي عليه السلام أكثر لطول المحنة. فأين محنة يوم أو يومين من محنة ألف أو آلاف السنين؟ والنص يقول: (بعد محن طويلة ومريرة). فالجواب هو الجواب. رغم الفرق بين الاستدلالين.
|